أيها العيد كم تثير جنوني!

“بكرة العيد….هيه هيه!” هتف ولدي الصغير فرحا بقدوم العيد و اضطررت طبعا أن أجامله و أشاركه سعادته بترديد “هيييييه…كل سنة و أنت بخير يا حبيبي…” إلا أن قلبي كان يحمل الاستياء تحسبا لما هو آتٍ وفقا لما يحدث كل عام في العيد. و ما يحدث واضح و بسيط….كل عام في العيد (لا يفرح أحد …. من الكبار!)….و خصوصا أنا لأني بطبعي نكدية و أميل إلى رؤية الأمور بصورة درامية تهكمية بائسة…..و لا أريد هنا أن أعكر صفو أحد و لكن بالنسبة لي العيد توتر و شد أعصاب…

يبدأ يومي في العيد بدون نوم و هذا الأمر وحده كفيل بتعكير صفو (أروق و أبرد) خلق الله ممن يعشقون النوم لأكثر من 8 ساعات في اليوم….فمن عادتنا أن نصِل الليل بالنهار في أول يوم للعيد …نسهر طوال الليل للفجر كما هي العادة في رمضان و لكننا لا ننام بعد صلاة الفجر و بعد صلاة المشهد…بل نظل على حالة (لا أنام) إلى قبيل الظهر بقليل…يعني (اليوم باين من أوله)…

بعد الرجوع من المسجد أهرع لغرفة نومي لا للنوم، بل لإخفاء آثار النعاس و الهالات السوداء تحت عيني بمكاييل من (الكونسيلر) أو الكريم الخافي للعيوب….ثم أبدأ في تلطيخ وجهي بألوان الفرح فالدنيا عيد و يجب أن يُبرِز المكياج هذا الإحساس خصوصا و أن إفطار العيد عند الأهل و الأقرباء الكرام الذين لا يحبون رؤية قريبة لهم عابسة أو مرهقة و إلا ظنوا بها كل الظنون السيئة و (المنيلة و المهببة على عينها) و اتهموها بالكهولة المبكرة و المراهقة المتأخرة و حلول سن اليأس على حين غرة…

في هذه الأثناء يكون أولادي و زوجي في حالة جري و هلع مستمرة و هم يسرحون شعورهم الصعبة المراس بالجل و الجيلي و الجلاتين و يطلبون من الشغالة إعادة كي ملابسهم مرارا و تكرارا حتى لا تبقى فيها كسرة واحدة صغيرة تُرى بالعين المجردة…البيت كله في حالة (نرفزة) و توتر عالٍ استعدادا (للفرح و الاحتفال بالعيد)! بعد ذلك أخرج أنا بكامل زينتي و أقنعتي و بكل الأناقة التي لم تكتب أصولها في أي كتاب (أناقة تخللي فرساتشي يتحسر في قبره)…ثم تبدأ الرحلة….رحلة العيد لبيت الأهل السعيد….

و بمجرد دخولنا للبيت يستقبلنا صراخ أطفال العائلة …صغار و فرحانين بالعيد ( في أحد يقدر يلومهم؟)…يتجمعون في انتظار العيدية و هم يصدرون أصواتاً لا تنم عن أي براءة أو طفولة…10…17….20…طفل ابتداء من سن سنتين إلى 12 سنة يتقافزون من حولي في يوم العيد و أنا بكامل زينتي لابسةً أعلى و أضيق كعب عالي يمكن أن تلبسه أنثى و (الكورسيه) يجثم على أنفاسي حتى تظهر للعيان حقيقة رشاقتي….يا لسعادتي!!

إلا أن الأطفال أمرهم هين….(شوية ريالات و حلويات و ألعاب كفيلة بأن تسكتهم لمدة نصف ساعة على الأقل)….المصيبة تكمن في أهاليهم المفترسين الذين ينتظرون كل واحدة منا من العيد للعيد لتقييم حياتها الزوجية (أو العنوسية) و حالتها المادية و المهنية و الصيفية….بمجرد أن أدخل أبدأ بملاحظة المسرحية التي تتكرر كل عام…مسرحية التفاخر و الإغاظة (عيد و عايزين يفرحوا) و كيف يفرحون بدون أن يتلذذوا بحبة شماتة من هنا و رشة كيد من هناك على كيلو مبالغة و كذب و ادعاء زائد نظرات غيرة و حسد….كعكة عيد معتبرة بصحيح!

أدخل و لا أستطيع تفسير الوجوه و العيون الفاحصة…هل هي نظرات إعجاب أم ازدراء أم حسد؟ و بعد قليل تتضح الرؤية و هي ليست شيئا جديدا أو مفرحا كما يفترض أن يكون العيد….

طبعا استعراض (الماركات) يعد من المكونات الأساسية لكل عيد، فواحدة تتذمر من حقيبتها (الفيندي) التي اكتشفت أنها صغيرة جدا بعد شرائها …طبعا المقصود ليس التذمر بل لفت النظر للحقيبة…و أخرى ترش عطرها البولجري النفيس كل خمس دقائق معللة الأمر بأنها تشم رائحة مزعجة…و ثالثة تشتكي من مستوى أناقة (أرماني) هذا العام و تؤكد أنها لم تجد بغيتها إلا عند (بربري)….

و أنا بدوري أفاخر بساعتي (الشولسري) و بنطلوني (الجيسلني) و عطري (النورماندي 2)….(و ضحكت عليكم…..و لا واحد من هذه الأسماء حقيقي طبعا!) لكن اعذروني ففي العيد الذي لا أنام فيه أبدا، يمكن أن يصدر مني أي شيء…و على المتضرر اللجوء للقضاء!

ثم يأتي دور التفاخر العلني لأولئك اللواتي لم يفلحن في إغاظة غيرهن بمظهرهن…

“راح نقضي العيد السنة في شرم الشيخ…إنتو فين رايحين؟”

“شرم ده إيه؟ شرم راحت عليه خلاص….نحن السنة دي راح نقضي العيد في باريس…أهو نضرب عصفورين بحجر…تسلية و عيد و شوبينج….”

(شوبينج إيه يا بنت الأبالسة….ده إنتي في السوق طول شهر رمضان!!)

ما علينا…يأتي دوري في الإجابة على السؤال السنوي…ماذا أقول؟ هل أقول لهم بأني على قدر عشقي للسفر إلا أنه ليس ضرورة بالنسبة لي في كل عيد لكي أشعر بالفرح؟ هل أقول لهم بأن العيد بالنسبة لي ليس سفر و تسوق و أن أروع عيد عندي هو الوقت الذي أقضيه مع عائلتي الصغيرة؟ هل أقول لهم بأن المكان لا يشكل فرقا، بل الأشخاص؟ هل أقول لهم بأن طاقة إيجابية من حولي و ضحكة من القلب و نفوس صافية هي عيدي الحقيقي؟ طبعا لا! مستحيل أن أدخل معهم في نقاش عقيم عادة ما تكون نهايته نظرة شفقة منهم على عقلي (الأعوج) و على ما يرونه بساطة حال و فلسفة عقيمة!

و تأتي إجابتي جاهزة بمجرد أن أتذكر الإعلان الذي قرأته عن جزيرة (موريشوس) الواقعة في المحيط الهندي…..طبعا لم يسمعوا عنها قبلا (و لا أنا)…لذا أتجرأ و (أتفلسف) عليهم بذكر مزاياها (كما رأيتها في الصور) و أتفنن بإضافة التفاصيل اللازمة من خيالي مستخدمة حسي الأدبي (إللي ما يوكلش عيش)…و أتنفس الصعداء و أنا أرى أنهم اكتفوا من كلامي الذي لم يستوعبوا نصفه و (حلُو عني) و التفتوا لغيري ممن يستطيعون إغاظتها بدون أن يكون للمسكينة سرعة البديهة الكافية لتأليف السيناريو المناسب لردع المتفاخرين في الأرض!

و يستمر صباح اليوم الأول للعيد و الأهل و الأحباب  في شد و جذب ما بين ضاحك بشماتة و مبتسم بغيظ و سعيد بتكلف و زيف و تفاهة….

و آه أيها العيد كم تثير جنوني و تحرق من أعصابي و تورِّي من غيظي المدفونِِ!

و كل عام و أنتم بخير.

Advertisements

30 thoughts on “أيها العيد كم تثير جنوني!

  1. من أروع ما قرأت .. أسلوبك ممتاز
    إسمحى لى أن أنشرها على الفيس بووك
    بجد رائعه جداً

  2. تناول اكثر من رائع للحاله اللي بتبقي عليها الامهات ايام العيد
    بس بختلف معاكي في حته ان العيد بيثير اعصابك وجنونك
    العيد المفروض اننا نفرح فيه قدر المستطاع سنه عن النبي صلي الله عليه وسلم
    وبيتهيالي بعيدا عن الادب والسرد الرائع حاولي تدوري علي حل للمشكله دي

  3. “ثم يأتي دور التفاخر العلني لأولئك اللواتي لم يفلحن في إغاظة غيرهن بمظهرهن”

    ههههههههه
    كالعادة يا مهموهه سهام صائبه لا قاصرة ولا زائدة
    أصبتِ و الله ..
    كل عام وانت بخير وكل عام وانت بين احبتك وزوجك وابنائك
    وكل عام وانتِ صديقتي وانا افتخر ^_^

  4. عسل
    انت عسل
    كلام صحيح للاسف ..و يقولوا لي ما بحب اسافر للبلد عشان اعيد ليه ؟
    نسيتي تقولي القيل والقال و الناس تفضل تحكي و تحكي عن بعض و تمسح حسنات رمضان دا ادا كانت في حسنات
    عيدك سعيد بهيج رغم كل البعملوه مع اولادك وزوجك ..اكيد جو بيت اصدق ما دام ما عاجبك الحال …تحياتي
    http://moshahidah.wordpress.com/

  5. الأخت opera 20
    لك الشكر الجزيل على تعليقك و تشجيعك و أكيد يمكن نشر الموضوع..
    كل عام و أنت بخير

  6. كل عيد وانتم بخير – من الصعب تنظير طبيعة الانسان وهناك فرق بين الطبيعة “الفطرة” / الغريزة” والصفات المكتسبة
    تدوينة جميلة كعادة جمال قلمك

  7. أختي الأسطورة
    شكرا جزيلا على تعليقك…و اعتقد أن الحل يكمن في نبذ التفاهة و المظاهر و العمل على تنقية القلوب…

    أسعدني وجودك

  8. صديقتي الغالية نجلا
    كل كلكمات الشكر لا توفيكي حقك
    دائما تسعدني تعليقاتك

  9. الأخت مشاهدة
    شكرا جزيلا على زيارة مدونتي و على تعليقك و تشجيعك و الله يجعلها بداية معرفة خير يا عسل 🙂

  10. استادتي ورفيقتي ..
    اشفق كثيراً على النماذج التي ذكرتي ..
    وما اكثرهم بيننا ..
    وياليت القناعة تصيبهم ..
    .
    .
    ابدعتِ ..
    ومبروووك هذه الخطوه فعالم المدونات لا يُقاوم ..
    فـ أنا أحد المدونات التي عشقت التدوين ..
    .
    .
    دينا القرشي ..

  11. عدت بعد قليل من ناس على شاكلة هؤلاء

    مظاهر كاذبة و قلوب حاسده لا نشعر بطعم العيد الا لدى اخوالي

    و أهل امي فقلوبهم جداً صافية و افجتماع معهم يشعرك بالعيد حقاً

    كل عام و أنتي بخير و أهلاً بك في عالم التدوين 🙂

  12. استاذة مها
    وكأنك قرأتي افكار كل امراة منتظرة قدوم العيد وكأنك أخذتي جولة تفقدية في جميع البيوت مع اختلاف اجناسهم ودياناتهم ومعتقداتهم ففي النهاية(في نظرهم) لا تصلح مجالس النساء الا بالاغاظة(لكل امرأة مدخل لاغاظتها)
    ولكن التميز يكون بصفاء القلوب وطهارتها وعفويتها(كما هي عفويتك)
    هذه النماذج السخيفة المريضة متوفرة بكميات مهولة فما علينا سوى تجاهلهم ودعهم في سباتهم العميق
    شكرا جزيلا لهذا الموضوع الرائع الجرئ وتأكدي كل امرأة ذكية مبدعة رائعة يكون موفقها كما هو موقفك.. سعادة العيد مع الزوج والابناء ..كل عام وانتي بالف خير..

    صفاء عرفات…

  13. أعرفتم أين العيد الآن ؟؟؟ في القلب و في كل مكان !!!
    فعلا ًلـ إعلان شركة “زيــــن” للاتصالات معنا ً ساميا ً
    عميقا ً لايفهمه إلا حكيما ً مثلكـ مثلا ً…
    دمتي,,, ودام قلمكـ ليبهرنا أكثر وأكثر…

  14. والللله أحبببببك يا أستاذه مها .. والله خرجتي كل الأحاسيييييييس و البيض الي في قلبي !! من جد حسيت بكل كلمه و بكل حرف كتبتيه !!
    و دا الي بيسير الواحد يدخل و يبتسم و ضحك و هو من جوا يبغى ينتحر و التلفزيون شغال على أغنية شركة زين أعرفتم أين البيض الآن ؟؟ إن البيض في كل مكان ……

  15. الغالية مها
    مقالتك هذه جعلتني أحن لأيام العيد التي كانت تكسوها فرحة العيد بمعنى الكلمة.. لأيام كنت أرى فيها النفوس طيبة قبل أن يسقط القناع من وجوه لا تعرف سوى التخريب والنخر في حياة من هم أسعد منهم!
    لكن هكذا هي الأرواح لا تتآلف إلا مع تلك التي تجد من يألفها. ولا يوجد ما هو أجمل من الصراحة والعفوية والصدق مع النفس والتآلف مع من يكونون كذلك.

    كوني بخير ومتألقة في كتاباتك الرائعة دوما (ما شاء الله عليك) ^_^
    ومبارك عليك المدونة الجديدة ^_^
    وكل عام وانتم بألف خير،،،،

  16. مس مها ..تحية اكبار واعجاب …أحييكي على الخطوة المتأخرة قليلا ..ثانيا..أضحكتني مقالاتك (أيها العيد كم تثير جنوني )ولكن في ذات الوقت عرفت أنك تطبقين مبدأ مالك شركات فيرجن العالمية حينما سُئل عن سر نجاحه فقال (أعمل بجد ..وألعب بجد)..عين الله ترعاك ..

  17. العزيزة صفاء
    شكرا لتفاعلك الرائع و تشجيعك..
    كل عام و أنت و أحبائك بخير

  18. العزيزات بصمة و Emii شكرا على تفاعلكم الرائع…
    بس يا ريت تبطلي تفكيرك الانتحاري يا Emii
    و بلاش نجيب في سيرة البيض خلينا في الجبنة و الزيتون أحسن 🙂

  19. الغالية عفراء
    أولا شكرا جزيلا لك لتلبية دعوتي..
    ثانيا…
    أسعدني ردك و وجودك في مدونتي…

    دمتِ بود

  20. كل عام وأنت بخير وعيدكم سعيد
    جميل أن ننظر لكل شئ من وجهه الجميل ،، نتفائل ونقدس ذاك العيد ،، بقدسية مُشرّعه ،، كم كنت أتمنى ثانية تبصر فيها عيناي حتى امتعها برؤية أطفالي وقبلهم أمي وزوجتي ،، فحال القدَر بيني وبين المصير ،، فما أجمل عيدكم تنيروا به عيونكم مِن مَن تعزّون ،، ربي يحفظ لكم بصركم وبصيرتكم ، ما زلت أقول بداية موفقة ومبدعة .

  21. المميزة الغالية ابتسام..شكرا على تعليقك الثري ..أعجبتني المقولة…
    شرفتي مدونتي…

  22. تكتبين بروعة، سعدت بالقراءة لك واتمنى عن تسيري على هذا النسق الذي تطبعه السخرية الهادفة، والى الامام والله الموفق، ولا تنسي ركن مقالات في مجلة سيدتي، وان تشرفينا بتعليقاتك وكل عام انت وقلمك بالف خير أختي.

  23. الكاتبة المميزة سعاد العبيد..
    أسعدني جدا تشريف كاتبة من كتاب مجلة سيدتي الرائعة مدونتي المتواضعة…
    شكرا جزيلا لك
    دمتِ بود..

  24. مشكورين على المدونة الرائعة

    موقع شامل اس ام اس لرسائل الجوال موقع متميز للرسائل النصية للشركات والافراد والجمعيات الخيرية والمدارس تخفيضات مغرية لرسائل sms تجدونها على موقع شامل sms
    رابط الموقع
    http://www.shamelsms.net
    للتواصل
    0112299801
    0112292973

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s