لماذا نحب من لا يستحقوننا؟

لماذا نحب من لا يستحقوننا؟

كثيرا ما سألت نفسي هذا السؤال و لم أجد له إجابة شافية…. كثيرا ما نحب من أعماق قلوبنا و نعطي و نبذل كل ما لدينا من جهد و طاقة و أعصاب للمحافظة على الحبيب و أحيانا كثيرة نضغط على أنفسنا في سبيل إسعاده و بعد هذا كله نجد قلة تقدير…و أحيانا انعدام تقدير و أحيانا نفاجأ بكلمات لاذعة مثل: “هذا واجبك” أو “لم أطلب منك كل هذا!”


هذه حالة نمطية لعلاقات حب عديدة و للأسف نحن لا نتعلم أبدا من أخطائنا و من ضعفنا و غبائنا (العاطفي)…كأن الألم و الهوان يصبح إدمانا بعد مدة من تجربته….و أحيانا يصل بنا الهوان و الضعف إلى لوم أنفسنا على فشل العلاقة رغم أننا الطرف المظلوم فيها….نلوم أنفسنا على أخطاء لم نرتكبها…نلوم أنفسنا لأننا لم نكن أشخاصا أفضل …لأننا لم نكن كما يريد (حضرة جناب سعادة البيه) حبيب القلب…

و السر وراء هذا الفشل في الحب يكمن في نوع الحب نفسه، لا في العاشق و لا في المعشوق…..يكمن في توقعاتنا و آمالنا الكبيرة التي نبنيها على من نحب….و يكمن في حبنا الغير مشروط….. أكره أن أحطم مثاليات من ينتمون إلى مدرسة التفاني و التضحيات الجليلة العظيمة، و لكن الحب الغير مشروط لرجل أو لامرأة ما ثبت فشله …. لا يوجد حب غير مشروط سوى حب الأم لأولادها…. و حتى هذا الحب الغريزي قد يتحول إلى غصة و ألم و جفاء إذا حصل عقوق من جانب الأبناء….

إن العاشق المتفاني بلا شروط إنما يجعل من نفسه (عتبة باب) لا يملك المعشوق (السيد) إلا أن يدوس عليها لا لسوء فيه و لكن لأن مكان العتبة تحت الأقدام و ليس في القلب أو على الرأس….

نحن الذين نحدد للآخرين كيف يعاملوننا…. نحن الذين نرضخ للحبيب باسم الحب إلى درجة أن يتحول هذا الرضوخ إلى ذل، و بعد مدة وجيزة نجد هذا الرضوخ و الهوان بات جزءا من واجباتنا نحو الحبيب و بات المتحكم في هذه العلاقة….إن علاقة فيها طرف مقهور أو محروم ليست علاقة حب، بل ليست علاقة سوية على الإطلاق….

إن الحب علاقة بين اثنين متساويين في المشاعر و الرغبات…. علاقة لا يطغى فيها طرف على آخر… علاقة لا يجد فيها طرف أي حرج في أن يصرح بضعفه و لا يستغل الطرف الثاني هذا الضعف مهما كانت الظروف….إن الحب الحقيقي علاقة تبعث على الأمان لا على القلق و الألم و الشك….أما العلاقات التي نراها على الشاشة و نسمع عنها في القصص، فهي (بدايات) حب يشعلها الفراق و قلة الوصال…و لو أن أحدا من العشاق المشهورين تزوج حبيبته لتحولت حياتهما مثل أي حياة زوجية طبيعية…فيها ما فيها من الحب و الود و الخصام و المضايقات و التضحيات….

إن فكرتنا الخيالية المغلوطة عن الحب هي التي تدمر علاقاتنا التي قد يمكن أن تنجح لولا تصوراتنا الغير واقعية… إن علاقة حب حقيقية بين رجل و امرأة لا يجب أن تكون (مشعللة) طوال الوقت….لا يجب أن تكون كلام معسول في كل لحظة و ثانية….بل يجب أن تكون علاقة متزنة و إنسانية….فيها ما لنا و فيها ما علينا….فيها ما يعكر صفو الحياة و فيها لفتات رقيقة تجعل الحياة عذبة مستساغة ….

و عودة للسؤال ….لماذا نحب من لا يستحقوننا؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في سوء اختيارنا من البداية… و في سوء تقديرنا لأنفسنا في هذه العلاقة….الحب _مثله مثل أي شيء في هذا الكون_ يحتاج إلى حسابات حتى ينجح…يحتاج إلى خطة ( أ ) لإنجاحه و إلى خطة (ب) لتعديل مسار خطة ( أ ) إن فشلت…الحب يحتاج إلى تخطيط و عمل…الحب يولد في القلب لكن لكي يستمر يجب أن تتم تربيته و تهذيبه و تنميته في العقل…

حتى لا نتألم و نذبل بسبب من أحببناهم و أعطيناهم كل ما لدينا، علينا أن نشذب نبتة الحب في قلوبنا و نرعاها بعقولنا…

دمتم سالمين و محبين بدون ذل و قهر…

Advertisements

14 thoughts on “لماذا نحب من لا يستحقوننا؟

  1. كلام في الصميم جدا ..
    “لماذا نحب من لا يستحقوننا؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في سوء اختيارنا من البداية… و في سوء تقديرنا لأنفسنا في هذه العلاقة”

    تماما . .

  2. لا بد من ثواب ومقابل… هذا ما فُطرنا عليه جميعنا كبشر

    لا وجود لشيء في هذه الحياة دون مقابل.. لا وجود للتضحية!
    حتى ما لا افعله لأجل بشر.. فأنا افعله ارضاء لله وطمعا في رحمته ^_^

    وليتنا نتعلم! او نعقل!

  3. أوافقك الرأي في كل ما قلتيه نقطة مهمة أزيدها عليك

    لو كان طرف ( ألف ) يحب نفسه لما ترك طرف ( باء ) يقلل من قيمته

    تعلمت هذه الحقيقة بعد عدة تجارب من يحب نفسه لن يدع لأي انسان كان ان

    يقلل من قيمته أو قدره

    شكراً جزيلاً لك

  4. “الحب يولد في القلب لكن لكي يستمر يجب أن تتم تربيته و تهذيبه و تنميته في العقل ”
    مقالتك رائعة وفي الصميم ..
    وأيضا أوافق « نوفه » كثيراً
    في كل الأمور إن تجاوزنا الحدود فبالغالب تأتي النتيجة عكسية
    فلا تضحية زائدة ولا تقليل زائد من النفس.. لا تحب كثيرا .. وستحب طويلاً

  5. عزيزتي الندى
    شكرا لك و يسعدني أن هناك من يفكر بنفس طريقتي

    عزيزتي نوفه
    نعم اتفق معك تماما في هذا…المشكلة أننا نتعلم منذ الصغر أن من يحب نفسه أناني…و بالتالي ننشأ إما معقدين و مغرورين أو متفانين و منكرين لأنفسنا…و كلا الأمرين غير صحي..
    شكرا لك

  6. ساره
    شكرا لك على التشجيع يا عزيزتي

    أستاذ عماد واصف
    أتفق معك و لكن ألا ترى ان هذه مثالية زائدة؟

    نجلاء…
    مدونتي دائما في انتظارك و في استقبالك

  7. راااااااااائعة جدا،، أخيرا توضح لي المعنى الذي كنت دائما اتساءل عنه ..!!

    إذن حتى الحب يحتاج إلى تخطيط وعمل ..!! حتى نصل فيه لمرحلة الأمان والسعادة ..!!

    أشكر جدا جدا جدا ..

  8. للأسف قد يحدث أحيانا مثل هذا الأمر و هذه النتائج و ربما للجميع … الحب الواقعي هو الحب كما يكون بين الأصدقاء، الذي يترقى بالارتقاء في سلم الصداقة و الوفاء ، حتى يصل لدرجة كون التضحيات أمورا ليست ذا بال.
    فعليه ، ينبغي أن نكون تلقائيين و متعقلين في حبنا ، لا مثاليين أو متكلفين، و نتوقع في بداياته الأسوأ حتى يتبين لنا الحال ، و كما تفضلتم ستكون حينها خطط (أ) و (ب).

    مع إنني تابعتكم قريبا ، و لكن أشعر بأنني ألفت كتاباتكم فصرت أتنظرها … شكرا لك أستاذة مها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s