حلال …حرام…يجوز…لا ..حرام!

منذ مدة دار نقاش طريف بين ابني و زملائه و أستاذ الدين فبينما كان الأستاذ يشرح حكم مصافحة الرجال للنساء مستشهدا بعدد من أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم….. قام أحد الطلاب بسؤاله: و لكن الملك يصافح النساء يا أستاذ! عندها ارتبك الأستاذ و قال: لا هذا غير! هذا أمام جميع الناس مما يعني أن نيته حسنة! فرد عليه أحد الطلاب: و لكن الرسول رفض مصافحة النساء حتى أمام الناس! و هنا ارتبك الأستاذ و اخذ يذكر مبررات مصافحة الملك للنساء و أن سنه الكبير قد يجد له العذر في ذلك!

طبعا لا أتمنى أبدا أن أكون في موقف الأستاذ الذي قام تلاميذه بمحاصرته بعدد من الأسئلة حول الحرام الذي يدرسونه في الكتب و حول الواقع الذي يعيشونه و يشاهدون دولة الإسلام تبيحه. و لكن لو قُدِر لي بأن أدخل في نقاش مثل ذلك، لقلتُ على الفور إن الملك بشر و ليس نبيا و لا معصوما و من الممكن أن يخطيء، فأي حاكم دولة إسلامية ليس بالضرورة قرآنا يمشي على الأرض. و ربما ساوضح لهم أن مسالة المصافحة ليست كبيرة من الكبائر و لا يُعد فاعلها مجاهرا بمعصية. و من منا لا يخطيء و لا يذنب؟

لا أدري لمَ نربط الملوك و الأمراء بالدين و نُصِر على أنهم يجب أن يقدموه في أحسن صورة؟  يا جماعة حتى الصحابة و التابعين أخطؤوا و أذنبوا و لكنهم لم يبرروا أخطائهم و يخلقوا لها أحكاما خاصة بهم. إن هذه الذبذبة في الفتاوى و الأحكام الشرعية كفيلة بأن تدمر جيلا بأكلمه و تنشئه رافضا الدين برمته طالما أن هذا الدين “مطاطي” و يتغير حسب أمزجة الاتجاهات السياسية.

إن أكثر درس أتذكره من دروس التاريخ هو أن أحد عوامل سقوط الخلافة العباسية و العثمانية خدمة الدين للسياسة و تدخل السياسة في الدين و فرض ميولها على الأحكام التشريعية. و هذا التداخل و التمازج المغلوط بين السياسة و الدين قد لا يكون سببا مباشرا لسقوط أي دولة و لكنه سبب أكيد لعدد لا حصر له من الفتن و سبب لوجود جيل ضائع ليس لديه مرجعية أو ثوابت. أنا لا أدعو لفصل الدين عن السياسة هنا، بل أدعو لتحكيم الدين في أمور حياتنا و لتوجيه السياسة حسب الأحكام الدينية. و لكن حتى نصبح كذلك نحتاج إلى نخبة من العلماء المثقفين الواعين المنفتحين و الوسطيين اللذين لا يفرضون علينا مذهبا واحدا لنتبعه و إن لم نتبعه نصبح كفارا و وجب علينا الحد.

قد يقول قائل من أولئك الذين يحبون تشعيب المواضيع و تضليل الأفكار بأن لدينا قضايا أهم من هذه القضية السخيفة، و لكن هذه القضية التي قد يراها البعض ثانوية هي بذرة لفتن كثيرة و هي مثال بسيط  لعدد من الأمور التي باتت تحدث مؤخرا و تهدد ثبات عقيدة شبابنا….بالنسبة لي و لكثير ممن هم من جيلي، هذه القضايا لا تشغلنا لأننا تربينا على معرفتها منذ صغرنا و لم يأتِ أحد ليشتت تفكيرنا حولها، ولكن بالنسبة لشابة أو شاب في بداية العشرينات، قضية مثل هذه تمثل لهم مصيرا و طريقة حياة، فأيهما أصح؟ بل لمَ كل هذا التغيير في الفتاوى؟ يوم حلال و يوم حرام و يوم جائز و يوم مندوب و يوم يجوز و لكن بشروط! أشعر بالأسى حول هذا الجيل الضائع…جيل فتوى الرضاعة و فتوى “طالع  نازل” و فتاوى “كل يغني على ليلاه”! و أشعر بالأسى أكثر على واقعنا الذي لا يتماشى مع فتوانا و مع تمسكنا “الشديد” بديننا و اعتزازنا “الأصيل” بقيمنا!

و قد يقول قائل بأننا سئمنا من تحكم الشيوخ بمصيرنا و تحريمهم لكل شيء، و لكني أحلم بغربلة هؤلاء الشيوخ و ربما بتغييرهم …أحلم بهيئة دينية تتكون من شيوخ راسخون في العلوم الشرعية و مثقفون يجيدون عدة لغات أجنبية و يعرفون كيف يقودونا للتعامل مع الانفتاح الثقافي بدون أن نضطر لتمييع ديننا و خسارة هويتنا من أجل أن نواكب العصر. ربما خرجتُ عن الموضوع الأصلي و لكن ألم تصبح حياتنا “خارجة” عن كل شيء “أصلي” و حقيقي؟

Advertisements

One thought on “حلال …حرام…يجوز…لا ..حرام!

  1. اسمح لي أستاذتي الفاضلة أن اختلف معك ..
    فأنا لا أرى ترابط بين موقف الأستاذ وبين ماذكرتيه في آخر مقالك ..
    تصرف الأستاذ خاطئ وبلا شك .. وذكرتِ أنتي التصرف الصحيح – و لو سألت أيّا من المشائخ الفضلاء لوافقوك في هذا التصرف! –

    أما تشتت فتاوى المشائخ وتشددهم في بعض الأمور ..
    فهذه الأفكار والملاحظات فهي ناتجة عن تصرفات خاطئة متشددة لبعض طلاب المتحمّسين وبعض الملتزمين – الذين تأخذهم الغيرة بشكل خاطئ –

    وإلا من يرفض منهم – من مشائخنا – أن يتعلم الناس مثلاً لغات أجنبية أخرى؟!
    بل بعض مشائخنا لو اتيحت له الفرصة ليتعلمها هو لسارع إليها! ..

    جزيتِـ الجنّـــة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s