أين ابنتك هذا المساء؟

الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل…في مطعم خمس نجوم….. تدخل إلى المطعم مجموعة من الفتيات الصغيرات و اللواتي تترواح أعمارهن بين الثانية عشر و الثامنة عشر…يدخلن بمكياج صاخب..مكياج رخيص لا تضعه إلا فتيات يردن أكثر من مجرد التجمل و التزين..  شعور منكوشة تكاد تكاد تثقل أجسادهن الطفولية الصغيرة….يجلسن و يقهقهن بأصوا ت عالية…بعد قليل يبدأ في الانضمام إليهن شباب في مثل أعمارهن….شباب شعورهم طويلة و مليئة بالجل و “بنطلوناتهم” تكاد تقع على الأرض و قمصانهم ضيقة جدا تظهر معالم صدورهم و عضلاتهم…

و بعد أن يلتم الشمل، تبدأ جلسة التدخين و المعسل …سيجارة في اليد و معسل في الفم…أو العكس…و تتعالى الضحكات المائعة و الهمسات الحارة وسط الدخان…و يبدأ تبادل الغمزات و اللمسات و الأحضان…

هذا ليس مشهدا من فيلم أجنبي…هذا واقع أراه أسبوعيا كلما ذهبت مع زوجي في نزهة رومانسية لتغيير جو البيت و الأولاد الذين لا أخرج قبل أن أتأكد من أنهم استغرقوا في النوم…و طبعا…المزاج الرومانسي كله يتعكر بمجرد رؤيتي لهؤلاء الضائعين و الضائعات…و تتحول سهرتي الرومانسية إلى حديث ذو شجون عما وصل إليه حالنا…و أضع نفسي مكان أهليهم…و أسأل نفسي…هل يمكن أن أصل لمرحلة أن أترك ابنتي أو ابني يذهبون في مطعم مع أصدقائهم و صديقاتهم وسط المعسل و الدخان إلى ساعة متأخرة من الليل؟ هل يمكن أن أنام في يوم من الأيام بدون أن أطمئن أن أولادي في حضن البيت؟

أسئلة كثيرة تقلب رأسي المتعب من كثرة التفكير…هل هؤلاء البنات و الشباب يخرجون بهذا المنظر بعلم أهاليهم؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذه مصيبة مجتمع لم يعد فيه معنى للأسرة..و إذا لم يكن الأمر بعلم أهاليهم، فذلك ذنب و خطيئة تجب محاسبة الأهل عليها…

قد يقول قائل إن ما يفعله الأهل ثقة في أبنائهم و عدم رغبة في التحكم بهم و بحريتهم…و لكن ما دورنا كآباء و أمهات إذا لم نوجه أبناءنا و نعيش مراحل نموهم خطوة بخطوة؟ و هل من الممكن أن تكون هناك ثقة عمياء في مراهق أو مراهقة لديهم غرائز و لم يكتمل نضجهم العاطفي و الفكري بعد؟

لا أعتقد أنه من الصعوبة بمكان أن تذهب الأم مع ابنتها إلى مطعم مع الصديقات…لا أعتقد أن هناك صعوبة في أن تعقد الأم صداقات و معرفة مع أمهات صديقات ابنتها..و كذلك الأب ليس صعبا عليه أن يجد الوقت للتعرف على أصدقاء ابنه و آبائهم و نوعية الأسر التي يأتون منها…


لكن طبعا…عندما يكون الأب مشغول بعمله و سهراته و جلساته الخاصة و الأم مشغولة بالتسوق و تريد أي حجة لتريح نفسها من هم التربية، فهكذا يصبح الحال…

أسراب من الأمهات في الأسواق و الأفراح و المطاعم…و جيوش من الآباء في البلوت و المعسل و السفريات و حروب المناصب و الصفقات….و الأبناء…يضرسون الألم بابتسامات باهتة و فرح مؤقت…

إن البراءة تذبح أمام أعيننا و بأيدينا و لا نحرك ساكنا…شبابنا و بناتنا يضيعون بينما نتقاتل على الكراسي و الحقائب الباهظة الثمن و تخفيضات الأسواق…كل ما نفعله تفاهات و هراء….كل ما نفعله و ما ننجزه و ما نشتريه لن يساوي شيئا عندما نستفيق في يوم من الأيام لنجد بناتنا مخدوعات مغدورات فاقدات لشرفهن و يتم ابتزازهن بصور أخذنها في لحظة ضعف و ضياع…كل انتصاراتنا المهنية لا تساوي شيئا عندما نستفيق على فشل الابن و ادمانه للمخدرات أو المسكرات أو تسببه في ضياع شرف فتاة من عائلة “محترمة”!

لا توجد حجج لاهمال أبنائنا…لا توجد حجج و أعذار للاخفاق في تربيتهم…صحيح الهادي الله، لكن هذا لا يلغي دورنا…التواكل و التراخي ليس من سمة المربين و الآباء…التربية هم و تعب و كفاح مستمر يوما بيوم و دقيقة بدقيقة منذ أول يوم يولد في الطفل إلى أن تغمض عينا الأم و الأب…نحن لا ننجب الأبناء لنرميهم في غمار الحياة و نقول :ربنا لم يشأ لهم الهداية…

هذه مسؤوليتنا و أول ما نسأل عنه يوم القيامة هو هذه الأمانة التي بين أيدينا، فماذا صنعنا بالنعم و الأمانات؟

ملحوظة:

نحن نحارب بشراسة زواج القاصرات، أفلا نحارب أيضا فساد و مجون القاصرات و القصّر؟ ما الفائدة من مئة حملة ضد زواج القاصرات، و فتياتنا القاصرات يعرضن مفاتنهن للرجال و يؤكدن في كل لحظة أنهن جاهزات للاستعمال الرجالي؟

Advertisements

10 thoughts on “أين ابنتك هذا المساء؟

  1. مرحبا..
    أستاذتي الفاضلة مها..آلمني ما قرأت..ويؤلم كل مسلم ومسلمة..

    صدقتي والله أين الأم ؟ وأنا معك أقول : أين الأم أين الأم أين الأم؟؟؟

    حقيقة وضغتينا أمام أنفسنا بشكل محرج!!عاري!!
    أو أبنائنا من وضعنا أمامك وأمام غيرك وغيرنا؟؟
    فعلا لو المناهضين لحملة:ضد زوآج القآصرآت رأى ما رأيتِ ماذا نتوقع؟؟

    اللهم إحفظ بنات وأولاد ونساء ورجال المسلمين..آمين

  2. مرحبا..
    أستاذتي الفاضلة مها..آلمني ما قرأت..ويؤلم كل مسلم ومسلمة..

    صدقتي والله أين الأم ؟ وأنا معك أقول : أين الأم أين الأم أين الأم؟؟؟

    حقيقة وضعتينا أمام أنفسنا بشكل محرج!!عاري!!
    أو أبنائنا من وضعنا أمامك وأمام غيرك وغيرنا؟؟
    فعلا لو المناوئين لحملة:ضد زوآج القآصرآت رأوا ما رأيتِ ماذا نتوقع؟؟

    اللهم إحفظ بنات وأولاد ونساء ورجال المسلمين..آمين

  3. أوافقك الرأي يغيظني هذا الشئ فتيات اعمارهن من الثانية عشرة حتى السادسة عشرة تلطخ

    وجهها بكيلوات من المكياج وعباءة فاضحه لا تستر وشعر منكوش

    تغتال طفولتها ولا أعلم الا يوجد خلفها رقابة من أين أتوا بهذا التفكير

    اللهم سلم

  4. المراهقون يميلون إلى التقليد ولديهم حب الإكتشاف والإستطلاع عالي جدا وإتباع غرائزهم ال…
    ليس من الغلط إعطامء المراهق الحرية لزرع الثقة في نفسه ولكن وأشدد على كلمة ولكن لابد من التوجيه والمراقبة من بعييد لتوجيه لتوجيه مسار الإبن في حالة تبنيه سلوك او عادة غير لطيفة أو محببه…
    نرجع ونقول إنه التوجيه يحتاج إلى علاقة صداقة وحبل من الحوار وإتصال متيين وقوي بين المراهق ووالديه أو على الأقل احد الوالدين!!!
    والتواصل الذي يقود للتوجيه يأتي بتخصيص وقت مع الإبن في ممارسة هواية مشتركة أو حتى لعبة يلعبوها مع بعض.. (يا عمي يشبها الوي ولا البلاي ستيشن، طيب لعبة قديمة منوبولي ولا كيرم) أي حاجة تتواصل بيها مع إبنك ويفتحلك قلبه وتكون صديق قريب يطلب مشورتك ويسمعها…

    لكن الواقع الحزين إنه مشاغل الاب والأم الزائفة تمنع إنهم يخصصوا جزء من وقتهم الثمين لأبناهم ولو ساعة!!!

    مسيكين إنت يامراهق يا جيل المستقبل الضائع لا بابا ولا ماما عندهم وقت يسمعولك!!!

  5. أتمنى يكون لهم فرصة في هذه الحياة العابرة أنهم يذوقوا حلاوتها الحقيقية ..
    مقال من أروع ما يكون ..

  6. في يوم من الايام، رأيت مثل ما رأيتي، و فكرت في نفس ما فكرتي به، و انا اتسائل بيني و بين نفسي كل الاسئلة التي طرحتيها علي نفسك، لم اعي الا برفسة في ساقي من زوجتي 🙂

  7. هولاء الاطفال .. مجرد ضحايا لعائلات مريضة بداء التظاهر والتبعية .. فبعضهم يرون ان ما يفعلونه لبناتهم من حرية مطلقة …دليل تحضر ويأتو اخرون يريدون ان يكونو اكثر تحضر فيطلقون العنان .. لاولادهم وبناتهم لا لشيء فقط ليتظاهرو انهم متحضرون ..
    فنحن فهمنا مفهوم الحرية خطأ .. ومفهموم التحضر خطأ…
    هولاء الفتيات والفتيان مدركين انهم يأدون فن الاستعراض فنلاحظ هذا من خلال ملابسهم وضحكاتهم .. وطريقة جلوسهم في صدر المطعم او الكافيه.. كأنوهم يدعون العالم … لمشاهدة مسرحية عن التحضر .. وان جربت وحاورتهم سيقولون بباسطة نحن لا نفعل اي شي خطأ وإلا ما كنا في مكان عام ؟؟
    واخيراَ
    ((فاذا بليتم فاستتروا))

  8. كلامك في الصميم يامها

    مثلكِ أتعجب فعلا من كل المراهقات التي أواجهن في الأماكن العامة في ساعات متأخرة من الليل ، ومايشغل بالي عندها أين أهاليهن بماذا يبررن هذا الخروج المتأخر ؟

    هذه الظاهرة لا أراها إلا عندما أكون هنا في جده للأسف

  9. ماقرات ينشا من اساس التربية ..وربما ايضا من الحرمان من الحنان في سن المراهقة والتفكك الاسري ..
    ياسفني حقا ان ارى بلاد الحرمين بهذا الشكل .
    اللهم احفظ شبابنا وفتياتنا واجنبنا مايفعلون ..اللهم آمين
    تقبلي مروري …ريم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s