تحرير الرجل!

“أكثر من كده؟” أكاد أسمع إحداهن تلفظ هذا السؤال بتهكم على عنوان المقال. و هذا السؤال مشروع و منطقي جدا، فالرجل فعلا حر…فهو يستطيع التعدد بدون قانون يحكمه…يستطيع السفر بدون موافقة ولي الأمر…و يستطيع أن يعشق و يغازل من يشاء من النساء بدون محاسبة المجتمع له طالما أنه يفعل ذلك بذكاء و دهاء و احتيال…و يستطيع أن يطلق او يعلق من يشاء و متى ما يشاء، و هو دائما يستعين “بصديق” حتى لا يدفع نفقة و حتى لا يخرج صك الطلاق و غيره…و هو يتصرف بحقارة و يسرق و يختلس و في نفس الوقت ينظر له المجتمع باحترام…

و لكن هل هذه هي الحرية المنشودة؟ هي هذه هي الحرية التي يطلبها عاقل و واعٍ؟

أنا طبعا لست ضد تحرير المرأة…و لكني أؤمن أن المرأة لا يمكن أن تتحرر و الرجل الذي تعيش معه في نفس المجتمع لا يزال أسيرا! قد تتساءلون عن نوعية “الأسر” الذي يعيشه الرجل…و هو أسر يعرفه جميع الرجال و لا يتكلم معظمهم عنه لأنهم مشغولون بألعابهم التي خصصها لهم أصحاب القرار و سوف اوضح هذه الألعاب فيما بعد…

لننظر بدقة أكثر لوضع الرجل في مختلف الشرائح الاجتماعية باستثناء شريحة الأسياد و النبلاء، فهذه الطبقة لا نساؤها و لا رجالها منا و لا نحن منهم….

إن الطفل السعودي العادي المولود في الطبقة المتوسطة أو الكادحة يتلقى تعليمه في مدارس رديئة البناء بلا مكيفات و لا حمامات و لا مرافق ترفيه و رياضة تليق بإنسانية الفرد …و يزيد هذا الوضع سوءا عندما نضيف إليه المعلم المقهور الذي لا يأخذ راتبا مجزيا و لم يتلق تدريبا أكاديميا و تربويا حقيقيا يؤهله للتدريس و حتى إن كان جيدا فهو لا يلقى أي تقدير لا من الوزارة و لا من المجتمع الذي ينظر للتدريس على أنه مهنة من لا منهة له…و أركز هنا على الطفل السعودي لأن مدارس البنين أسوأ بألف مرة من مدارس البنات من جميع النواحي…و أتكلم هنا عن أغلبية المدارس الحكومية و ليس عن المدارس الخاصة التي لا تدخلها إلا نسبة بسيطة جدا من ابناء المجتمع…

الطفل السعودي في المدارس يتربى على الضرب و النهر و التحريم و التحقير و هذا واقع في كثير من المدارس …الولد السعودي و المراهق السعودي لا يتعامل معه أحد على أنه إنسان، بل على أنه “عفريت” ما يمشي إلا بالضرب و بالجلد…و رغم إصدار الوزارة قرارا بمنع الضرب إلا أن الضرب و التحقير لا يزال قائما لأن الوزارة أصدرت قانونا واحدا فقط و لم تنظر للمنظومة التعليمية ككل…

انتهينا من الطفل – و الكلام هنا كان مختصرا و عاما جدا – و نأتي للمراهق السعودي…. لم يتعلم هذا المراهق خلال طفولته معنى الاحترام لأنه أحدا لم يحترمه و يحترم آدميته و طفولته التي لم يهنأ و يسعد بها…و يكبر هذا المراهق و فيه طاقة هائلة و نشاط كبير ليجد نفسه مجبرا على اللعب في الشارع مع مروجي المخدرات وسط الالفاظ الشوارعية السوقية و وسط عصابات من العمالة الباكستانية و البنجلاديشية و الفلبينية و الأندونوسية … و إذا أراد الذهاب لمكان راقي ينفس فيه عن طاقاته، فلا يجد سوى السوق و الشاليهات…أو النوادي باهظة التكلفة….و السوق ممنوع فيه دخول الشباب إلا من كان لديه مال رشي به حراس الأمن..و الشاليهات تمتليء بالبنات اللواتي يعرضن أنفسهن بلا حياء…. و إذا أراد إطلاق قدارته الأدبية او العلمية أو الرياضية (التي لم يكتشفها أصلا) – إذا أراد ذلك لم يجد ناديا ادبيا او علميا او رياضيا يحتويه…لم يجد إلا ملاعب الشوارع العشوائية ليمارس كرة القدم…و لاحظوا (لا يوجد سوى كرة القدم) …و لا يجد إلا النادي الأدبي السقيم الذي يستحوذ عليه كتاب فطاحل يتجادلون ليل نهار على لا شيء… و إذا كان الشاب لديه موهبة علمية او اختراع ، فلا يجد من يدعمه و لا يجد الإمكانيات التي تساعده على تطبيق أفكاره…و مرة اخرى أتكلم عن الطبقة الكادحة و التي تشكل تقريبا 80% من المجتمع…

و نأتي للدين…لم يعرف هذا المراهق من الدين طوال طفولته سوى الصلاة بدون فهم لمعانيها، بل قد يكون ضُرب و عوقب على تفويتها عدة مرات…لم يعرف المراهق طوال طفولته و مراهقته من الدين غير الحفظ و زكاة الإبل و تحريم السحر و الشعوذة و قتال الكفار و من يواليهم…. لم يعرف هذا المراهق رحمة محمد صلى الله عليه و سلم..لم يعرف رقي اخلاق محمد صلى الله عليه و سلم مع الصغير و المرأة و الخادم و العدو و الصديق….لم يستشعر هذا المراهق أبدا معنى أن يعيش في سلام لأنه “مسلم” إذا أن عصابات من الطلاب تنتظره بعد الصرفة لتضربه أو تغتصبه أو تهدده! و إذا أراد الشاب أن يستشير شيخا أو أستاذ الدين في أمر ما، فهو لا يجد سوى التحريم….”قراءة هاري بوتر حرام… دور على هواية غير العزف على البيانو يا ولدي الله يرحم والديك… صوم كل يوم حتى تقطع دابر الشهوة…. روح سوي عمرة كل يوم!!”

و يجد المراهق نفسه محاصرا بين التحريم الشديد لكل شيء…و في نفس الوقت يجد نفسه محاصرا بالفضائيات وصور الفاتنات “الغير طبييعات” في المجلات و محاصرا ببعض فتيات في مجتمعه لا يعرفن الحياء و الادب و إذا نظر إليهن قلن له في سخرية: انت متخلف؟ عمرك ما شفت بنات؟ من جد همجي!

و بعد ذلك لا يجد أمامه سوى التفحيط في الشوارع أو الجلوس في البيت ساعات خلف شاشة الانترنت بلا هدف او فائدة أو إدمان المخدرات أو إدمان النساء الساقطات و معظمهن من طبقة الخادمات الطليقات في الشوارع!

و لو أراد الاستقامة و الحلال، فالزواج صعب يا ولدي و طريقك مسدود مسدود يااااا ولدي!  فأنت ما زلت صغيرا و من راح يزوجك؟

طيب …ينتظر الشاب الجامعة التي يكدح فيها و يعاني الذل من “آلهة” العلم  في الجامعة، فبعض الأساتذة في الجامعة ينظرون للطالب على أنه جاهل و متخلف … و بعد معاناة سنين طويلة في الجامعة التي لم يتعلم فيها شيء سوى النفاق للأساتذة حتى ينجح، يتخرج فلا يجد وظيفة أو يجد وظيفة بألفين ريال و في أحسن الأحولا بأربعة آلاف ريال… و عندما يأتي للزواج، فهو مفروض عليه الزواج من “فلانة” ابنة الحسب و النسب…و إذا كان قبلي، فعار عليه أن يتزوج حضرية، و إذا كان حضري، فلا يحلم بأن يتزوج قبلية…و ينتهي به الأمر في زواج من إنسانة لم يقتنع بها إلا لأن أبوه مقتنع بها أو لأن امه قالت إنها جميلة….ينتهي به الأمر مع إنسانة لم يعرفها و لم يحبها…و إذا كان محظوظا فسوف تكون بنت حلال تخاف الله و إذا لم يكن محظوظا فسوف يبقى بقية عمره يعيش في زواج لا يريده مع امرأة ليست جميلة تعايره بفقره و عدم قدرته على شراء حقيبة فيندي لها مثل ما فعل زوج صديقتها….و إذا تغاضى عن هذا كله و تمنى من زوجته أن تشاركه أفكاره و سخفه و لعبه و جده، قالت له حرام…عيب عليك…أو أشعرته بأن أهم شيء عندها في الحياة هم أهلها و صديقاتها ….

و في العمل يجد نفسه محطما من مدير لا يرحم … و يجد أن الترقية بعيدة المنال حتى لو اشتغل ليل نهار….

و إذا أراد أن يعبر عن رأيه، و إذا كان صريحا جدا و طالب بحقوقه و حقوق غيره..قالوا له أنت من شعب همجي يضرب نساءه…. و إذا طالب بتحسين وضعه المالي، قيل له كل “ت**” و إذا تكلم في ما هو أكبر، يتم إخراسه للأبد!

بعد كل هذا، لا يجد الرجل نفسه إلا أمام اللعب! اللعب بالنساء المتاحات في الظلمات… اللعب بالكرة في الشوارع أو مشاهدة مباريات كرة القدم في البيت و كرشه أمامه مترين (و الإسم مهتم بالرياضة) أو الجلوس أمام التلفاز و مشاهدة ثلة من النساء الاصطناعيات و التحسر على ما لديه…و حتى لو كان طيبا و أراد التفاهم معها و مصارحتها و طلب منها ان تلبس له مثلما يرى على التلفزيون، قالت له: احمد ربك على النعمة ترى أنا احلى منهم كلهم! او قالت له: شوف انت بتكلم مين! انا بنت فلان و انت ما كنت تحلم تتزوج وحدة مثلي! أو قالت له بحياء و أدب: وي؟!! ما أقدر يا أبو خالد و الله عيب! إيش تقول الله يهديك!

إن رجلا لم يتلقَ تعليما راقيا يليق بانسانيته، و لم يتزوج من يريدها عن قناعة تامة، و لم يجد عملا يبدع فيه، و لم يجد حضنا يحتوي فكره و طموحاته، لا نتوقع منه ان يعامل زوجته باحترام..لا نتوقع منه أن يقود سيارته برقي و نظام…لا نتوقع منه ان يربي أولاده على القيم…لا نتوقع منه- في أحسن الأحوال- سوى الضياع في الاستراحات ساعات وساعات!

إن رجلا يعيش و يتربى “مدعوسا” لا يمكن أن نتوقع منه أي خير!

إن رجلا يعيش أسير العادات و التقاليد، لا نتوقع منه ان يتقبل الانفتاح و التطور و هذا الرجل التقليدي إنما هومن صنع مجتمع لم يعطه أي حق سوى “التخبيص” في الظلام ثم “الطبطبة” عليه و مكافأته بزوجة لا يعرفها حتى “يعقل”!

إذا تم التعامل مع “المواطن” على أنه إنسان، فسوف يتحسن وضع المرأة تلقائيا…الخطأ الكبير الذي يحدث في مجتمعنا حاليا هو التركيز على قضية المرأة، بينما القضية الحقيقية هي قضية شعب و قضية مواطن و قضية إنسان…لا يمكن أن ينصلح وضع المرأة بدون ان ينصلح وضع الرجل….المجتمع مثل طائر بجناحين لا يمكنه التحليق بجناح مشوه و آخر مقيد….الرجل في مجتمعنا مشوه و مقهور و المرأة حبيسة و مقيدة و مقهورة أيضا…هي حلقة مفرغة من القهر ….

سياسة القهر و التخويف لا تولّد إلا رجالا مجرمين و ظالمين مع من هم أضعف منهم…و لا تولّد إلا نساء مقهورات ينفسن عن قهرهن مع الخادمات و مع أولادهن…
لا أتوقع من مجتمع أكثر من نصفه يعيش على 4000 ريال و ربعه عاطل و 90% من مواطنيه لا يتلقون تعليما يليق بإنسان_ لا أتوقع من مجتمع كهذا ان ينظر للمرأة نظرة إنسانية….و ما نحن إلا صورة مصغرة من “إللي بالي بالكم”!!

هل عرفتم عن أي حرية و تحرير أتحدث؟ رجالنا يلعبون في ادنى مستوى من الحرية، و هذه الحرية الزائفة التي يعيشونها ما هي إلا “مخدرات” شعبية تلهيهم عن القضية الكبرى!

رجالنا مساكين…و الله مساكين…و بالتالي ..نحن أيضا مساكين…و يا ترى هل عرفتم من الملام؟

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

7 thoughts on “تحرير الرجل!

  1. وصف وتحليل أكثر من رائع لمجتمع نعيش فيه .. وأتمنى ان يصل صوتك إلى اكبر شريحة من المجتمع ..

    من أروع المقالات التي قرأتها في حياتي !! .. بارك الله فيك ..

  2. هههههه وربي انتي مبدعه
    سكرتينا بوجهنا استاذة مها :/
    حسيت بمعاناة الشباب من مقالتك
    بجد مافيه شئ صاحي بهالحياة
    مع هذا عندهم خيارات أكبر منا يالنساء 🙂
    شكرًا لك

  3. شدني الموضوع من العنوان ..
    ثم شدتني الطفولة ..
    وأتبعتها بفترة المراهقة ..
    ثم تأكدت أن هذا أفضل مقال وصف الرجال لدينا ..
    فأكملته وتملكتني الحسرة على أنفسنا ..
    لا أستطيع أن أعلق إلا بـ
    “لقد أجدتي الوصف أكثر مما ينبغي”

    ربما أروع ما ممرت به في مدونتك حتى الآن وأنا أكمل باتجاه الأقدم 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s