قصة قصيرة – 2

الجزء الأول:

https://mahanoor.wordpress.com/2010/12/24/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D8%A9-1/

 

حالة عالية من الانجذاب تجمع بينهما…أشياء كثيرة تجمع بينهما..أشياء اكتشفاها بالصدفة و بدون ادنى تخطيط…فهكذا هو الحب…يباغتنا و يفاجئنا بدون أن ينوي أن يستمر أو يتوقف…لا نية للحب و لا هدف و لا سبب…أشياؤهما المشتركة كثيرة….نفس نوعية الكتب يحبانها سويا و يقرآنها سويا…نفس الموسيقى و الأغاني…نفس العفوية و خفة الدم…نفس الأفكار الثورية تجمعهما…..نفس الجذور الغير سعودية 100%…و هذا هو سر (الكاريزما) كما كان يردد مديرها عندما يريد ان يمتدحها أو يمتدحه!

 

عيناه لم تعد تطلق تلك الشرارة، بل أصبحت نظراته تركز عليها بثبات و كأنه يفحصها و يختبرها لمهمة قادمة…مهمة مستحيلة…أن تكون حبيبته و زوجته…أو هكذا ظنت!

و مع كل تلك النظرات الواثقة التي كان يسعدها و يحرقها بها في آن، لم ينطق بكلمة عن احاسيسه نحوها…لم يجلس بقربها…بل كان حريصا أن لا تكون بينهما خلوة…و كان حريصا أن لا يجيب على مكالماتها إذا لم تكن خلال النهار..و كان شديد الحرص على أن لا تكون أحادثهما شخصية…

يا لهذا الرجل البارد الأحاسيس! يا له من جامد متكلف و متصنع! عيناه تفضحانه و لسانه يجبن عن الاعتراف بجنونه!

هكذا كانت تحدث نفسها و الجمر يملأ وجدانها بعدما يئست من أن يصارحها بعد أشهر من العمل معه…ترى هل زوجته في مثل جمالي؟ لابد أن تكون فاتنة حتى يقرر أن لا يكون هناك شيء بيني و بينه…هذا عذره الوحيد (فقط)…لابد أنه سعيد جدا…لابد أنها تمطره حبا ليل نهار… أقنعت نفسها زمنا بهذه الاستنتاجات التي خففت من ألمها كلما رأته و تعاملت معه…و اقتنعت بأنها مجرد شريكة في عمله و نكرة في حياته و قلبه …كان في منتهى الأدب و الاحترام معها…لم يحاول تجاوز حدوده يوما…و كل ذلك أكد لها بأنه رجل سعيد و قانع بزوجته و حياته…قررت أن تحشر مشاعرها في زاوية ضيقة من أرجاء قلبها…قررت أن تقفل على تلك المشاعر في زنزانة الحرمان و الحرام و الواجب و المفروض…قبلت أن يكون لها شريكا في عمل جاف لا حياة فيه…رضيت بالفتات و قررت أن تتسامى على مشاعرها، فهو لم يكن يوما لها و هي لم تكن يوما امرأة تهوى اصطياد الرجال من زوجاتهم…

ظلت على هذه القناعة البليدة إلى أن رأته ذات يوم مع زوجته…اندلعت النار في مسامات قلبها و أحست أن جسدها بات خرقة ممزقة من أثر النيران التي أكلته و لا تزال تفترسه…

لم تكن زوجته جميلة و لا حتى جذابة…لم تكن ذات شخصية مميزة أو مرحة أو ملفتة للنظر…كانت مجرد امرأة من نساء الوتيرة الواحدة..امرأة بدون أبعاد…امرأة ذات بعد واحد فقط…امرأة بدون طعم أو نكهة….

قالت لنفسها…ربما غيرتي تعميني عن رؤية مميزاتها…لكن همسات الزميلات في العمل كانت دوما تؤكد ما تحس به…ما أن قالت لبعض الزميلات أنها رأت زوجته حتى رأت في أعينهن التطلع لمعرفة رأيها…لزمت الصمت و لكن البعض بادرن بإطلاق قنابل آرئهن في زوجته المسكينة…
يا لطيف! كيف يحتمل العيش مع امرأة كهذه و هو الشاب الغني و الوسيم و الرائع!!
ما الذي يعجبه فيها؟ مغبرة اللون و عجفاء لا أنوثة فيها…جامدة الوجه و التعابير…كأنها آلة صماء عندما تتحدث…

تفسيرات و تحليلات النساء لغيرهن أقسى و أقذر مما يمكن أن يتخيله رجل عاقل و حكيم!
هكذا فكرت في نفسها بموضوعية…لكنها لم تنجرف لذلك التيار الذي كان يكيل الشتائم النسائية الكيدية لزوجته…و لم تأخذ أيضا الجانب الآخر الذي كان يتعاطف مع الزوجة المغلوبة على أمرها…

أخذت جانبا مختلفا تماما لم تكن تتوقع أنها تأخذه في يوم من الأيام…
أرسلت له إيميل…إيميل قصير…تقول له فيه:

كرهتك كثيرا…قاومتك كثيرا…تمنيت كثيرا أن أقتلك و أخنقك بيدي…لكن اليوم…لا أجد مفرا من الاعتراف بأني أحبك…أعشقك بجنون…مستعدة أن اكون لك زوجة في السر أو العلن….أريد فقط أن أكون لك بالحلال، فأنت من حقي و أنا من حقك…تستحق أن تكون سعيدا مع امرأة لها جمالي و فتنتي!

رد عليها ردا جلفا:
نهى!!
أقدر مشاعرك و أتفهمها…و لكن…أنا لا أصلح لكِ!
متأكد أنكِ لو فكرتِ قليلا فسوف تجدين من هو أفضل مني لكِ!
أتمنى لك التوفيق

غضبت و بكت و لعنته في نفسها و وصفته بالغباء و العجز و انعدام الرجولة!

أرسلت له إيملا يتطاير شررا:

الأستاذ العظيم عادل…
اعتبرني منسحبة من المشروع منذ اليوم! أنت إنسان أناني و تعامل المرأة بدونية و احتقار…بل أنت لا تعرف أبجديات التعامل مع المرأة!

لم يرد على إيميلها، بل اتصل عليها فور أن تلقى إيميلها…

ما أن سمعت صوته حتى أجهشت بالبكاء…حاول تهدئتها بدون جدوى…
قالت و هي تنوح: هل أنا بشعة إلى هذا الحد حتى ترفضني؟ و أضافت ساخرة….ألم أرتقِ إلى مستوى الجمال الذي تفضله؟ أليست لديك مشاعر؟ ألا تحس بي؟

قال بهدوء: أنا لم أتصل لأسمع منك هذا الكلام…أريد أن أقول لك فقط….لا تتركي العمل…افصلي بين العمل و مشاعرك…
قالت: أنا إنسانة قبل أن أكون أي شيء آخر…و لا يمكن أن أستمر في العمل معك..

قال: لن أجبرك على شيء…و لكن كل ما أستطيع قوله هو …أنني أحتاجك معي!

قالت و هي تبكي بفرح: هل تحبني؟ قلها أرجوك! كل ما تفعله يقول أنك تحبني!

قال لها حازما: لا أؤمن بالحب! الحب خيال نستفيق منه على أضغاث أحلام!

قالت مندهشة: ألا تؤمن بالحب؟ كيف تعيش مع زوجتك إذن!!

قال: أحبها!

قالت: يا سلااااااام!!! الحب مع زوجتك حلال معترف به….و أنا أضغاث احلام؟؟!!!

قال: أنت لا تعرفين ما هو الحب! أنت تعيشين في وهم…لا زلتِ تعيشين مراهقتك و لا تفرقين بين الواقع و الحلم!

قالت: أنت..أنت ما كنت أحلم به طوال حياتي!

قال: أنا لستُ حلما! أنا واقع…واقع بكل قسوته و مآسيه و متطلباته…و أنتِ لستِ مناسبة لهذا الواقع!

قالت: لمَ تطلب مني أن أظل أعمل معك إذا كنت لا تريدني إلى هذا الحد؟

لم يعطها اي إجابة…..ظل صامتا يحوقل و يهلل و يصلي على النبي … أنهى المكاملة بقوله: استهدي بالله يا بنت الناس….فكري بعقلك و سوف تنسيني…و سوف تضحكين في يوم من الأيام على نفسك!

ذهبت إلى العمل في اليوم التالي و طلبت إجازة لمدة أسبوع من مديرها…أعطاها الإجازة بدون نقاش و كأنه يعلم كم هي بحاجتها…

حبست نفسها في البيت …أغلقت هاتفها و قاومت رغبتها الشديدة في أن تقرأ إيميلاتها أو ترسل أي إيميل لعادل…بكت كثيرا …أحست بأنها مجروحة مغدورة…تسبح في دماء من إحساسها بالذنب نحو امرأة لا ذنب لها … كرهت نفسها و صلت لله تعالى تطلب منه المغفرة ..تتوسل أن يأخذ روحها و يريحها من عذابها… فالحياة لا معنى لها بدون عادل…و في نفس الوقت، الحياة لا تقوم على أنقاض امرأة أخرى… هي في وضع لا تحسد عليه….وضع لم تتخيل نفسها فيه أبدا…لقد أصبحت واحدة من أولئك الحقيرات التافهات اللواتي يلهثن وراء الرجال المتزوجين…

بعد يومين ..أرسلت لمديرها طلبا في تمديد الإجازة…رجته أن يعطيها إجازة مفتوحة و لو بدون مرتب لكنه رفض…عادت لعملها و هي تعرف أنها ستقابل عادل في اجتماع ما أو في غرفة ما….لكنها لم تره…لم يأتِ…علمت فيما بعد من مديرها أن المشروع أسند لزميلة أخرى…

هكذا و بدون مقدمات و بدون نقاش! احتلها الغضب و أحست بأنها تلقت أكبر طعنة في حياتها!
هرعت بعد الدوام إلى مكتبه فهي تعرف جيدا أنه يعمل لساعات متأخرة و لا يعود لبيته قبل العاشرة مساء… 

اقتحمت مكتبه و هدوءه بينما يقرأ كتابا…فوجيء بها و هي تجاهر بحبها بطريقة لم يعهدها في أي امرأة عرفها من قبل:

ليس ذنبي أنك لا تعرف الحب! ليست غلطتي أنني أحببتك! أنت المسؤول عن زعزعة الأمن في قلبي! أنت المسؤول!

قال لها بهدوء: أنت تستنفذين كل طاقاتك بدون فائدة!

قالت: أريدك…ألا تفهم؟!

صمت و لم يجب…

أضافت: و أنت تريدني…و أنا أعلم ذلك جيدا…عيناك تقولان كل شيء..عيناك تقولان ما تعجز عن قوله! كل هذا الصمت لا يشفع لك و لا يمنعنى من معرفة ما في نفسك! لا أحد يجيد قراءتك مثلي!

قال في يأس: هناك فرق بين الإرادة و الرغبة و الاحتياج…أنا أريدك..أرغبك…و لكن لا أحتاجك! أستطيع أن أمضي بقية عمري بدونك…الرغبة طمع يا عزيزتي…و الطمع خطيئة!

قالت و هي تختنق: و لكني لا أستطيع أن أمضي بقية عمري بدونك! أنا أحتاجك و أريدك!

قال: أنت تحتاجين إلى رجل آخر…رجل يستطيع أن يحتويك و يغرقك حبا!

قالت: أنت احتويتني بمجرد أن عرفتك!

قال: لست الرجل المناسب لكِ! أعجز حقا عن احتوائك! لدي زوجة و أسرة يحتاجونني اكثر منكِ!

قالت: و أنت…من تحتاج؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن تفكر فيه!

قال: أرجوكِ افهميني يا نهى! زوجتي رنا صبرت معي و أنا في أسوأ حالاتي! تحملت معي أسوأ الظروف و أتعسها! حملتني و ساندتني…لا أستطيع أن أخونها! لا أستطيع أن أجرحها، فهي إنسانة رقيقة و حساسة للغاية!

قالت: يا سلام!
لا تستطيع أن تجرحها لكنك تستطيع أن تقتلني! هل هذا هو قانونك؟ هذه هي أخلاقك؟ لماذا إذن جعلتني أقع في حبك إذا كنت لا تستطيع أن تمس ملكة الإحساس و الرقة حضرة جناب الست رنا؟

قال: لن تموتي بدوني و لكن رنا قد تموت فعلا بدوني! أنت فتاة قوية ..ستبكين قليلا على فراقي ثم تستعيدين قوتك و نشاطك!

قالت: لماذا إذن كان كل هذا من البداية؟ لماذا كنت تنظر إلي بتلك النظرات الحارقة؟ لماذا قربتني منك و طلبت مني أن أعمل معك؟

قال: ربما كنتُ أنظر إليكِ لأنك امرأة جميلة و ملفتة للنظر…ربما فقدت السيطرة على نفسي بعض الشيء…كنتُ انظر إليك لأنك حلم أعرف أنه ليس من حقي! أعترف أني أخطأت و لكني بشر! أخطأت لمجرد أني فكرتُ فيكِ و لكني أفقت الآن و استعدت وعيي..و يجب أن تستفيقي أنتِ أيضا! كنا في حلم يا نهى…كنا في حلم جميل جدا نطفو مع النجوم…و لكن الآن… يجب أن نستفيق! و أنتِ..يجب أن تنسي…أفيقي رجاء و لا تحمليني ذنبك!

قالت: أستفيق من ماذا؟ أستفيق من الشيء الوحيد في حياتي الذي جعلني أشعر بالحياة؟ و أنت هكذا ببساطة تخبرني بأنك أخطأت؟؟ أخذت قلبي و جمدت كل مشاعر في قلبي لأي رجل آخر…و بعدين…إيش؟..آسف يا فندم..غلطان…حبيتك بالغلط!

قال: كلنا نخطيء يا نهى! أنا لم أعدك بشيء…لم ألمس شعرة منكِ…لم أتجاوز حدودي معكِ يوما…ألا يكفي كل ذلك لجعلك تفهمين بأني لم أشأ لعلاقتنا أن تتطور؟

انهارت و هي تقول: أريد أن أعرف شيئا واحدا فقط….وسوف أتركك….من أنا بالنسبة إليك؟ هل تحبني أم تلعب بي؟

قال و هو يشيح بوجهه عنها: هناك أمور كثيرة في الحياة خير لها و لنا أن تظل طي الكتمان…ليس كل شيء يستعر في القلب يقال باللسان! الحقيقة أحيانا تحرقنا لو اعترفنا بها!

ماجت الغرفة ببكائها…و لم يعرف ماذا يفعل لتهدئتها…تركها تخرج مخزونها الدمعي…و اقترب منها قليلا و قال:

أعرف أنك فتاة رائعة ونقية…و أعرف أننا لو تزوجنا فلن نكون سعداء…سيحرقنا الإحساس بالذنب نحو رنا! خير لنا أن نبتعد عن بعضنا…و ستجدين يوما ما من ينسيكِ كل ما حدث…الحب يا نهى ليس ومضة قلب و شرارة عين…الحب ليس إعجابا بالمظهر فقط…الحب عشرة و حياة و صبر و تحمل…أنت و أنا نصلح أن نكون أبطالا لقصة رومانسية خيالية…لكننا لا نصلح أن نكون واقعا … ربما…ربما…لو لم أكن متزوجا، لما فرطتُ فيكِ أبدا…و لكن علاقتي برنا أكبر من مجرد وهج أحس به في قلبي نحو أي امرأة أخرى! رنا…رنا عاصرت شبابي و طيشي و تحملت فقري و ألهمتني البداية…فهل من العدل أن أكافئها بكِ؟ هل ترضين أن تكوني في مكانها؟
قام و ابتعد قائلا: أنا ذاهب لمنزلي الآن…رنا تنتظرني على العشاء…كوني بخير يا نهى…أعلم أنك ستكونين بخير…
نظرت إليه و الدموع تبللها…و لمحت دمعة تفر من عينيه….ابتسمت بشماتة لتلك الدمعة….و قالت له: أتمنى أن تعيش في نار تحرق قلبك و لا تجد من يطفئها!
لم يرد عليها و ذهب …

**************
بعد ذلك غير عادل رقم هاتفه و ألغى عنوان بريده الإلكتروني و قطع كل السبل التي توصل نهى إليه…حاولت جاهدة أن تكلمه و أن تزوره و لكنه كان مسلحا و مستعدا لكل محاولاتها و أفشل كل حيلها للقائه و رؤيته…

عاشت و الحسرة في نفسها…كرهته و كرهت كل الرجال زمنا طويلا…و غادرت البلاد لتدرس الماجستير و لتبدل قلبها و عقلها بهواء بلد آخر لا يشترك معها عادل في تنفسه…تقدم لها الكثيرون، و لكن قلبها ظل معلقا بعادل…ظلت تصارع و تحاول طرد عادل من قلبها لمدة تزيد على الست سنوات إلى أن فك أسرها رجل شبيه بعادل…أحبت كرمه و أخلاقه و رأت فيه صورة من عادل…و تزوجته بعد قصة حب عقلانية بدأت بزمالة دراسة و انتهت بطلب سريع للزواج…قبلت به بعد تفكير ثم تزوجته بعد أن اقتنعت أن بسام أفضل الموجودين و المتاحين و الغير متزوجين…

و عادت لجدة يملؤها الحنين لهوائها الرطب…كل أجواء الدنيا الباردة لا تغنيها عن لحظة الخروج من الطيارة و تنشق هواء جدة التي تعرف جيدا أنه ملوث و يلذ لها أن تحس بحرارته تلفحها بعد صقيع طويل عاشت فيه في الغربة…برغم حر جدة و اعتيادها على حياة من نوع آخر إلا أنها تعشق لحظة عناقها للوطن و ارتطامها بأصولها…

حياتها مع زوجها بسام هادئة و رتيبة…و ابنهما يسليهما كثيرا…بسام لا يقصر في شيء معها…تخجلها طيبته و حرصه على رضاها و سعادتها…و تحاول جهدها إسعاده بدورها …
أكثر ما كان ينغص عليها هو خوفها من أن تقابل عادل صدفة خصوصا و أن مجال عملها ليس ببعيد عن مجال عمله و مشاريعه المتنوعة…كانت تخشى أن يثور بركانها القديم الخامد الذي طالما حرصت على إبقاء تأثيره بعيدا عن حياتها مع بسام…

بسام يتسحق أفضل بكثير من أن تجرحه …الآن تعرف جيدا شعور عادل…تعرف جيدا نوعية العلاقة التي بينه و بين رنا…كأن بسام و رنا من نفس النوعية التي تجبرك على العناية بها و الحرص عليها خوفا من كسرها…

لكن الله أراد أن يضعها في اختبار آخر و ربما أخير لتكتشف نفسها و تعرف حقيقتها…

ذات مساء و هي في معرض للكتاب مع صديقة لها…قابلت عادل….وجدت نفسها فجأة أمامه وجها لوجه…أرادت أن تبتعد قبل أن يلحظها و لكنه بادرها قائلا: كيف حالك يا نهى؟
و أكمل بسرعة و ارتباك: أنا هنا مع رنا…إنها هناك مع أختها تشتري بعض الكتب للأولاد… 

قالت بدون مشاعر و هي تنظر لرنا ببطنها المنتفخة: أرى أنكما تنتظران مولودكما الثالث…

قال: بل الرابع!

قالت بمرارة و حلقها يكاد يجف: مبروك…

ثم استطردت قائلة و هي تحاول تضييع ملامح الارتباك و الحيرة عن وجهها: أنا تزوجت! تزوجت من إنسان رائع و لديّ ولد في منتهى الجمال! عمره سنة الآن!

قالتها و كأنها طفلة ساذجة فرحة بلعبة حصلت عليها دونا عن قريناتها..

قال مبتسما: أعرف!

قالت: هل كنت تتابع أخباري؟

قال: لا أبدا! و لكن فتاة جميلة مثلك مستحيل أن تبقى بدون زواج للأبد!

هم بالذهاب و قال لها: الله يوفقك و يسعدك!

قالت و هي تبتسم: و أنا…أتمنى لك السعادة…و الله…من كل قلبي!

قال: أعرف أن قلبا طيبا مثل قلبك لا يتمنى إلا الخير للجميع…الحياة علمتني كيف أفرق بين القلوب النقية و القلوب المزيفة…عن إذنك …يبدو أن رنا تحتاجني…

اجتاحتها نسمة باردة بينما غادر عادل وسط الزحام البسيط الذي كان يشهده المعرض…وقفت لبرهة و هي لا تعرف ما تصنع، فكأن الزمن عاد بها و لم يعد…فجأة أصبح ذلك الإنسان الذي كانت تعشقه غريبا عنها…و فجأة أيضا ذاب غضبها عليه و منه…و كأن هذا اللقاء القصير أثلج صدرها و أكمل لها الحلقة المفقودة في علاقتها مع عادل…أدركت كم هو رجل نبيل و شهم…أدركت مدى ندرته بين الرجال، فهو لم يستغل ضعفها…لم يخدعها…بل كان صريحا معها و وضح موقفه بكل حسم و أخلاق معها….فجأة شعرت بمشاعر جديدة نحو عادل..شعرت بإجلال و تقدير و احترام كبير له…و تمنت له السعادة مع رنا فهي بلا شك امرأة مميزة إذ جعلت رجلا مثل عادل يعيش لها و من أجلها…
ياه…ترى لو كان بسام مكانه، هل سيفعل مثله؟ ربما…

قطعت صديقتها حبل تأملاتها و هي تتأفف: أوف..أكره الرجال! من جد حقيرين! ما فيهم واحد آدمي! كلهم “عينهم طويلة” و وسخين!
قالت و هي تبتسم: ليس جميع الرجال يا صديقتي…ليس الجميع!

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

3 thoughts on “قصة قصيرة – 2

  1. تعقيب: قصة قصيرة -1 « مها نور إلهي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s