دراما هندية في جدة المنتهية!

يوم مأساوي آخر في تاريخ جدة…

بدأ اليوم جميلا و الكل يتغنى و “يغرد” حول جمال الجو و روعة الغيوم….و الذي زاد جمال صباح هذا اليوم هو أنه يوم الأربعاااااااء المقدس…و لكن كحال أي دراما تبدأ كاملة و مكتملة، لابد أن تعكر يد الفساد و الأيدي الخفية (إللي محد عرفها لحد الآن) صفو هذه السعادة الشحيحة التي يشعر بها سكان جدة كل عام في فصل الشتاء القصير جدا….كانت من عادة أهل جدة (القدماء) أن يفرحوا بالمطر… في طفولتي و طفولة الكثيرين و الكثيرات كان المطر يشكل جزءا مهما من لعبنا و مرحنا و سعادتنا….اليوم المطر بات يشكل كابوسا و ذكريات مستقبلية حزينة لأطفالنا…غدا عندما يتذكر أطفالنا أيامهم سيقولون: “فاكرين لما جات المطرة و الناس غرقوا و البيوت اتهدمت؟”

و مثل أي يوم أربعاء، كان معظم سكان جدة في أعمالهم و مدارسهم و جامعاتهم….لكن ما أن حاصرت السحب جدة و بدأنا لا نرى نور الشمس حتى بدأ رنين الجوالات و “الآيفونات” و “البلاك بيريات” بالازدياد…الأهالي يعيشون حالة رعب على أبناءهم و بناتهم و يطلبون منهم مغادرة مدارسهم و كلياتهم….و ما أن صارت الساعة الحادية عشر حتى تلقت كل المدارس و الجامعات أمر الإخلاء….تخيلوا “أمر الإخلاء” من أجل رشقات متبعثرات من أمطار بريئة المفروض تعد سقيا خير في أي بلد من بلدان العالم المتحضر!

رحلة طويلة عاشها الكثيرون اليوم من أعمالهم و مدارسهم لبيوتهم…رحلة استمرت ما بين ساعتين إلى أربع ساعات بالنسبة للبعض….

بالنسبة لي فقد عشت في حالة توتر إلى أن تأكدت من وصول أبنائي للبيت الواقع في شمال جدة….و كان عليّ أن أعود من عملي الواقع في جنوب جدة إلى بيتي…استغرق الأمر أكثر من ساعتين مررت بها على جميع أحياء جدة المنكوبة و رأيت فيها وجوه الشعب السعيد الذي تعد نساؤه أكثر الشعوب دلالا في العالم و رجاله أكثر الرجال ثراء و رفاهية…. حقيقة ركزت كثيرا في الوجوه التي كانت حولي…كلٌ في سيارته و الهم و الهلع يعلو وجهه….كلٌ في سيارته و لا تبدو عليه أي معالم للثراء أو الدلال…

أما أنا فقد كنت أضع الخطة البديلة لحياة أبنائي  و زوجي لو حصل لي مكروه لا قدر الله…و كانت الخطة البديلة تزداد إحكاما مع كل “موجة” سيول تجرف سيارتي و مع كل دلو مياه ينصب على نافذتي… أول شيء اتصلت على ماما لأطمئنها بوداعة منتهية و ثقة كاملة أنني بخير ولله الحمد و لم أشأ أن  أختم المكالمة “الوداعية” بقول: أحبك يا ماما حتى لا تشك لأني كلمتها البارحة….بعد ذلك اتصلت بصديقة جميلة و أوصيتها بأولادي و زوجي لو أنني مت…صديقتي (الصغيرة) تلك شابة و جميلة و طيبة و محترمة و تعشق الأطفال و لا أرى أن أحدا سيكون أحن على أولادي منها و لا أقدر على تفهم ظروفهم…طبعا صديقتي صرخت في وجهي: لا يا أبلة مها لا تقولي كده! ربنا يطول في عمرك و تربيهم و تزوجيهم!

ألححت في طلبي و أنهيت المكالمة و اتصلت بزوجي لأخبره بوصيتي، فرد عليّ بسخرية: و ليش أستنى لما تموتي؟ لو أبغى أتزوج راح أسويها من دحين!

تجاهلت سخريته الرجالية السمجة و التي أعرف أن وراءها قلقا كبيرا يحاول مداراته….و أعطيته اسم الفتاة بالكامل و كل ما يحتاج معرفته عنها باختصار شديد…و عندما عدتُ للبيت قابلني بنظرة عتاب و استغراب شديد لوصيتي…و لكني لم أعتبرها وصية غريبة، فأنا أم حريصة على مستقبل أبنائي و حريصة أن يتزوج زوجي بفتاة محترمة تليق به و بأولادي…

يمكن المطر و الخوف لطشوا عقلي، بس برضو أنا أم و زوجة محبة…

و لكن قبل العودة….ساعتان مرت و أنا أعيش في تساؤلات عديدة “تضربني الأمطاااااار…تأكلني الأفكااااار” على رأي السيدة ماجدة الرومي….

يا ترى هل سأعود لبيتي و زوجي و أولادي؟

يا ترى هل سيوافق زوجي لو قلت له إني لم أعد اطيق جدة و أريد الهجرة لأي مكان آخر أكثر تطورا و اهتماما بالمواطن و بالإنسان ؟

من المسؤول عن الهلع الذي يعيشه أهل جدة بسبب رشات بسيطة من الأمطار؟ هل سيصبح الخوف من المطر من صفات أهل جدة؟ هل سيصبح الخوف من المطر عادة جديدة لأهل جدة؟

قطع حبل تساؤلاتي وسيناريو الدراما الهندية الذي في رأسي رنين الهاتف و اتصالات زوجي المستمرة للاطمئنان عليّ…طمأنته ثم نظرت من نافذتي و رأيت مجموعة أخشاب تطفو على الماء…تخيلت نفسي أطفو هكذا بعد ساعات….حقيقة فكرة الموت لا تخيفني بقدر خوفي على مستقبل أسرتي و حزنهم عليّ….و الأهم من هذا كله هو سؤال ألح عليّ كثيرا خلال رحلتي “المكوكية” المبتلة إلى بيتي: لماذا لا أزال و يزال الكثيرون يعيشون في جدة إلى الآن رغم أنها أصبحت مدينة منتهية أو شبه منتيهة على أحسن تقدير؟

نظرت حولي لأبحث عن بارقة أمل….عن دورية شرطة أو عن فرق إنقاذ جاهزة أو عن شرطي مرور واحد….لم أجد سوى عامل نظافة يحاول جرف المياه الغزيرة بجاروف صغير مهتريء من الشارع إلى داخل إحدى خزانات المجاري الطافحة! إنه المضحك المبكي فعلا… طوال ساعتين كاملة لم أر أي بادرة أمل….

ما هذه الدراما الهندية التي لا معنى لها التي نعيشها؟ للأسف حتى في مآسينا لم نرتقي إلى دراما راقية مثل الدراما الإغريقية….يوم السبت سيعود الجميع بقصص مختلفة و سيضحكون كثيرا على خوفهم الذي لم يكن له مبرر….ألم أقل لكم إنها دراما هندية؟


و الأسوأ في هذه الدراما هو رمي التهم علينا بالفساد لذا نستحق ما جاءنا!

و لا أدري كيف ينعم الأمريكيون في رقي و حضارة عند هطول المطر و الثلج رغم أنهم ليسوا مسلمين و كثير منهم ملحدون!!

و لا أدري كيف تضرر من سيول جدة العام الماضي معظم فقرائها و نجا فيها المفسدون الحقيقيون و لا يزالون يعيشون في ترف رغم كل “القرف” الذي نعيشه نحن! لو أخذنا معادلة الفساد و العقاب هذه لكان هناك أشخاص كثر لقوا حدفهم في هذه البلاد من زمااااان!!

المهم….في آخر المطاف و عند نهاية المطر….عدت إلى بيتي و استقبلني أبنائي بالأحضان و كلنا هنأنا بعضنا: حمد لله على السلامة!

و أنا هنا بدوري أهنيء الشعب السعودي و أهنيء كل أسرة سعودية وصلت إلى بيتها سالمة اليوم!

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

15 thoughts on “دراما هندية في جدة المنتهية!

  1. فعلا فعلا استااااااذتي كلااااام في قمة الروعة كم اعشق كتاباتك وها انا اتجرا لاكتب لك تعليقا متواضعا ارجو ان تقلبليه وتقبلي مروري:))

  2. كالعادة عندما اقرأ لكِ تضيع كل احرفي !! وكل افكاري .. !!
    الله يخليكِ لزوجك واولادك ومايحرمكم من بعض !! 🙂
    واهم شي الحمدلله على سلامة الجمييييييييييييييييع ..

  3. أشكرك على مقالك الأكثر من رائع أستاذة مها… فعلا المقال يعبر عن كل تفاصيل الدراما الهندية اللي مرينا بها اليوم بأمطارها وقلق الاهالي وأمر الانصراف والغاء المحاضرات… ولكن المضحك في الموضوع هو ارسال الدفاع المدني رساله تحذيريه الى جوالالتنا تحذر من سحب رعديه مصحوبه بأمطار بعد هطول الامطار…

  4. جميله انت يا استاذتي الفاضله مبدعه لقد اثر فيني قلمك الرائع لقد تعلمت منك الكثير في حياتي اسال الله ان يحفظك ويحفظ اسرتك وان يرزقك السعاده الدائمه يا رب فا نتي انسانه لا يسطيع القلب ان ينساه

    اشراق الوزير

  5. بصرااااحه انا من المتابعين لمقالاتكـ في الفترة الاخيره.

    والله لا يسعني انا اضيف ع كلامكـ\
    الا انه ولماذا وحتى هذه اللحظه
    لم نجد حلاً لمشكلة جدة . جدة المدينه العزيزة ع قلوووب الجميع
    جدة عرووووس البحر
    نراآها كل عام وأخر تغرق بجواآآآر البحر ,
    من المسؤؤؤل عن هذا الأمر المزري
    حالة القلق السائده التي تعم المنطقة كل عاااام
    هل بلدية جده مع ميزانياتها الضخمه
    لم تستطع حتى الآن ان تتجنب ماحدث في العاااام الماضي.
    لكـ الله ياجده
    لكـ الله ياجده

  6. الله يعين اهل جدة و حمدلله على سلامتك و سلامتنا و يعطيك العافية ^_______________^

  7. ههههه مقالك رائع بس اهم مقطع في المقال كلو تجاهلت سخريته الرجالية السمجة

  8. يحتآآر الخفوق بين إزفار تنهيـدة أو إطلاق ضحكة
    والناتج > -_-

    أ. مهــآآ أستطيع التصريح بـ أنني عشقتُ كتاباتك
    وضميري يئنبني حالا لاصطفاء هذه التدوينة بتعليق ..
    لكن الحقيقة انني قرأت وقرأت وقرأت مانعة نفسي من التعليق
    حتّى تفجرت لدي الرغبة بعد عدة قرءات
    جميـع ما كتبتِ _ مما قرأت _ آسر

    الخلاصة : سجليني من متابعينك =)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s