السعودية و الخطاب النَسَوي المنقوص!

منذ سنوات و أنا أرقب المشهد النسوي السعودي و أحاول قدر المستطاع أن لا أشارك فيه (لسوء وضعه و سطحيته من وجهة نظري) رغم أن تخصصي في الماجستير يؤهلني للمشاركة و المساهمة فيه بشكل فعال و لكن الحركة النسوية كما تحدث اليوم قاصرة جدا و لم أرَ أنها عادت بالفائدة على المرأة السعودية في جوانب مهمة من حياتها، بل بالعكس قد تكون ضرت النساء في جوانب مختلفة.

و سأحاول تلخيص أبرز الجوانب التي تمحور حولها الخطاب النسوي السعودي في الخمس سنوات الماضية حيث لم يخرج عن ثلاث:

1-    نبذ الرجل و اتخاذه عدوا

2-    التمرد على كل شيء و أي شيء و على الدين خاصة

3-    عدم التوازن في المطالبة بالحقوق 

في خطاب يسوده الكره و التهكم و الإتهامات تتعامل النسويات أو الفيمينسيت السعوديات (إذا جاز التعبير) مع الرجل بصفته الحاصل على كل حقوقه كاملة و بصفته المانع للمرأة من أبسط حقوقها. و الحقيقة أن النسويات لم يكن بأفضل من الرجل في التطرف و التحقير للجنس الآخر الذي خلقه الله ليكمل الآخر. تتعامل الكثير من النسويات بنفس الأسلوب الذي يتعامل به الرجل الجاهل مع المرأة: تتعامل معه بنظرة دونية و تحصره في إطار ضيق “حيوان لا يشبع من الجنس” و هي بهذا تزيد من حنق الرجال الجهلة مما يدفعهم لمزيد من النرجسية و التعصب ضد أي حق بديهي للمرأة. بهذا الأسلوب المتطرف عززت النسويات السعوديات الذكوية لدى الرجال حيث أصبح إثبات “الذكورة” و تحقير الأنوثة من أشرس الأساليب التي يستخدمها الرجال كردة فعل للدفاع عن أنفسهم أمام الهجمة النسائية العنيفة التي تهدف في ظاهرها لسحب البساط من تحت الرجل و لمنافسته في أعز ما يملك: السيطرة!

 و قد فات أغلب النسويات أن الحرية و المساواة و العدل منظومة اجتماعية مترابطة لا تكتمل إلا بخلق تناغم و صداقة و توازن في العلاقة بين الرجل و المرأة. إلا أن الحركة النسوية للأسف عززت العداوة و الحقد بين الرجل و المرأة في معركة “مراهقين” كما أحب تسميتها و بدل أن تكسب الرجل في صفها داعما كأخ و أب و زوج و صديق، كسبت عدوا إضافيا هي في غنى عنه خصوصا في هذه المرحلة التي هي أحوج ما تكون فيه للتركيز على لب القضية و ليس لتشتيتها بخلق أعداء و معارضين و عقبات من الممكن تفاديها. إن الحركة النسوية السعودية ينقصها الكثير من الحكمة و الديبلوماسية و التكتكيك و التنظيم، فكل ناشطة تعمل على حدة و “تشطح” على حدة إما للفت النظر أو لكسب المزيد من الشهرة و الأضواء غير عابئة بالقضية الأساسية ألا و هي وضع و مكانة المرأة العادية في المجتمع…إلا القلة النادرة طبعا!

و هنا نأتي للعدو الآخر الذي اتخذته أو خلقته الحركة النسوية لنفسها و (كأنها ناقصة أعداء)! ترفض النسويات السعوديات أي شيء يأتي من الدين مما يدل على أن لديهن جهل بحقيقة الدين الإسلامي حيث يخلطن بين الإسلام و مَن يمثله. فهن دوما ناقمات و ساخرات ممن يمثلون الدين من شيوخ و رجال هيئة و قد يكون معهن حق في هذا إلى حد كبير إلا أن الأسلوب الذي تنتهجه معظمهن اسلوب رخيص و غير علمي و لا احترافي، بل أسلوب “حريمي” بحت يعتمد على سماع الأخبار من هنا و هناك و على القيل و القال و خلق المتفجرات الإعلامية و على نظام “الإستقعاد” و هن بهذا لا يختلفن كثيرا عن بعض المشائخ المزيفين الذين لا يفقهون شيئا في الدين! فمثلا، تأخذ بعض النسويات فتوى واحدة شاذة و ينشرنها و يقمن “باللت و العجن” فيها إلى أن تصبح قنبلة إعلامية و كل هذا لكسب “نقطة” ضد المشائخ و ضد الدين و ليس لكسب نقطة في صالح واقع المرأة! إن التصدي للفتاوى الشاذة و الغريبة و المهينة للمرأة ليس من واجب النسويات، بل العكس!ّ إن خير ما تفعله النسويات هو تجاهل مثل هذه الفتاوى أو الآراء الغريبة المريضة و عدم نشرها حتى لا ياخذ بها الجهلاء و البسطاء و حتى لا تنتشر و يشتهر أصحابها! و لكن…ماذا أقول؟ الأمر تحول إلى معركة شخصية بين النسويات و بين علماء الدين و شيوخه تنتهي عادة بتكفير أو إتهام النسويات في أخلاقهن و بتعزيز موقف العلماء لدى العامة الذين يؤمنون بأن لحوم العلماء مسمومة! و نظل في ندور في نفس الحلقة المفرغة و تضيع القضية و تشتهر النسويات و الشيوخ معا أكثر فأكثر! ربما يجدر بنا أن ننشيء رابطة شيوخ النسوية الحديثة! أو نسويات الشيوخ المعاصرين! فهم إلى الآن لا يخدمون إلا بعضهم البعض كما أرى!

و حتى أكون منصفة، فقد بدأت مؤخرا بعض النسويات بالتوجه لدراسة الدين و وضع المرأة فيه دراسة عميقة و هذا أمر نحتاجه بشدة (أيضا بدون إنفعال و معارك و اتهامات). و كما نحتاج للنسويات الإسلاميات، فإننا بحاجة لأن تقوم هؤلاء النسويات بالطرح المتوازن و أن لا يرتكبن نفس الخطأ الذي يرتكبه الشيوخ الذكوريون ألا و هو الأخذ بما يناسبهم و يتفق مع أهوائهم من الدين. فالشرع في قضية المرأة و الرجل جاء شاملا لا يظلم أيا منهما و لا يعظم أو يمجد أحدهما على حساب الآخر. نحتاج لمزيد من البحث النسائي العميق حول هذا التوازن الذي هو من صميم ديننا! أما أن نأخذ بجميع أحاديث حقوق المرأة و نترك الأحاديث التي تتناول حقوق الزوج مثلا فنحن نفعل تماما مثلما يفعل من يأخذون بحديث ناقصات عقل و دين و يستخدمونه خارج النسق أو السياق الذي أتى فيه!

و نأتي للجانب الأكثر أهمية في تناول النسويات لقضايا المرأة….ألا و هو المطالبة بحقوق المرأة…و السؤال الذي يطرح نفسه تلقائيا هو “من أين نبدأ؟ و ما هي الأولويات؟”

بطبيعة الحال تختلف الأولويات من امرأة لأخرى و من منطقة لآخرى، لكن المزعج في موضوع المطالبة بالحقوق هو أن النسويات يأخذن قضية واحدة فقط و يركزن عليها و كأنها أهم قضية في الوجود متناسين قضايا أخرى كثيرة قد تقل أو تزيد أهمية. لا أحد ينكر طبعا أهمية القيادة للمرأة خصوصا المرأة العاملة أو المرأة التي ليس لديها رجل يعيلها و لا أحد ينكر معاناة معظم الأسر مع السائق…و لكنها ليست قضيتنا الوحيدة بكل تأكيد…قضية الوكيل الشرعي مهمة…قضايا الطلاق العالقة و قضايا الحضانة مهمة جدا أيضا…و قضية التعليم و هو الأهم و هو القضية التي نادرا ما تتناولها النسويات إلا من رحم ربي….إن التعليم و المعرفة هما ما يشكل شخصية المرأة و ذلك يعود عليها بأكبر فائدة بحيث تعرف حقوقها و واجباتها و لا تعود بحاجة لمن يمثلها أو يطالب بحقوقها نيابة عنها…و لكن كم حملة أنشاتها النسويات للمطالبة ببيئة تعليمية راقية تليق بالفتيات منذ طفولتهن مرورا بمرحلة المراهقة الحرجة إلى مرحلة الشباب و النضج؟

كم حملة أو جميعة تناولت الاهتمام بتثقيف الفتيات حول أهدافهن و ما يردنه من الحياة؟ إن كان هناك حملات من هذا النوع فهي غالبا تأتي ضعيفة و فردية و لا تسليط إعلامي عليها أبدا!

إن كل النشاطات النسوية لن تحدث تغييرا حقيقيا طالما مدارسنا و تعليمنا في أدنى مستوى للرداءة من حيث إعداد المعلمات و المناهج و المباني!

إن الحركة النسوية لن تزهر و تثمر بدون أن نعمل على تطوير شخصية الفتاة و ثقتها بنفسها و مساعدتها في فهم دورها في الحياة و قيمتها و أهدافها!

قبل أن تطالب المرأة بحقوقها عليها أن تعرف من هي و ماذا تريد و أن تتعرف على سير النساء اللواتي شكلن التاريخ بأدوارهن الفعالة.

كم حملة أو جمعية أو حركة نسوية استهدفت توعية الفتيات حول مفهوم الأنوثة بمعناها الحقيقي بدون ابتذال أو تحقير؟ كم حملة و كم ناشطة نسوية احتضنت الشابات و احتوت همومهن كبنات، أو طالبات، أو كزوجات جديدات و كأمهات عاملات و غير عاملات؟ كم حملة نسوية و ناشطة نسوية حرصت على تثقيف النساء حول مفهوم الأمومة و حول أهمية المطالبة بحقهن في إجازات أمومة اطول و مدفوعة الراتب كما يحدث في الدول الأوروبية التي تقدر معنى الأسرة و الطفل؟ كم حملة نسوية أخذت على عاتقها توعية الشابات حول مفهوم العمل و الإنتاجية و الاحترافية و أخلاقيات العمل؟ كم ناشطة نسوية حاولت توعية الفتيات باهمية البحث العلمي و مجالاته و فرصه و بماهية التفكير المنطقي و الموضوعي؟ أليست هذه المواضيع جزءا مهما من حياة المرأة السعودية المعاصرة؟ 

كم ناشطة نسوية أخذت على عاتقها توعية الفتيات و تثقيفهن ليتصالحن مع أنوثتهن و ليفرخن بهذه الأنوثة بدلا من نبذها و رفض الزواج و كره الرجال علنا (و الجري وراءهم سرا)؟

كم حملة نسوية حرصت على خلق تناغم و تصالح بين المرأة و الرجل كشركاء في رحلة الحياة، لا أعداء و متنافسين شرسين؟ و في رأيي، فإن العمل على توعية الرجل أيضا لا تقل أهمية عن تثقيف المرأة و أراه جزء من رسالة النسويات، فالمجتمع لا يمكن أن يتم فيه إصلاح شامل بالتركيز على جنس دون آخر، و لا يمكن أن تنشأ أسر سليمة و علاقات صحية بين الجنسين في ظل تثقيف و توعية المرأة و نموها بينما شريكها الرجل يعامل كأنه العدو الجاهل و يبقى بعيدا!

نحن لا نريد فتيات خاملات غير فاعلات يجعجعن ليل نهار بالمطالبة بحقوقهن! لا نريد مزيدا من الجاهلات الشهيرات! نريد نساء فاعلات غير مستهلِكات سواء للأفكار أو للأشياء! ثقافة الإستهلاك تقتلنا! الهوس بالمادة يقتل النساء و الفتيات ببطء و ناشطات الحركة النسوية لا هم لهن سوى معاركهن و سب الرجال و معاداتهم!

نريد نساء تدور حياتهن حول أهداف حقيقية، لا أهداف مادية استغلالية تقضي بتسخير الرجل لهن و بالاعتماد التام عليه ماديا و الانتقاص من شأنه لو قل ماله!

إن الإستقلال الفكري (و حتى المادي) عن الرجل لا يعني تحقيره و رفضه! إن تمكين المرأة و تعزيز مكانتها في المجتمع لا يعني أبدا التقليل من شأن الرجل و دوره في الحياة أو إهماله!

على الفيمينسيت السعوديات (إن وجدن بالمعنى الحقيقي للكلمة) أن يبتعدن عن التمحور حول الرجل و العداء و التطرف في التخاطب معه. و عليهن أن يرتقين بلغتهن بعيدا عن الحدة و الإنفعال حتى تثمر أنشطتهن عن واقع نافع للمرأة العادية في حياتها اليومية.

أعتقد أن على الحركة النسوية المعاصرة أن تعيد حساباتها و أهدافها و أن تعمل حقا على خلق أنثى جميلة قوية واثقة تستمد قوتها من معرفتها العميقة بدينها و حقوقها و واجباتها….أنثى فاعلة في بيتها و مجتمعها سواء كانت عاملة أو غير عاملة…أنثى متصالحة مع نفسها و مع شريكها الرجل ومع مجتمعها.

أتمنى أن تكون معركة النسويات الحقيقية في الداخل…أن يبدأن من الداخل…من المرأة نفسها منذ الطفولة و حتى الشيخوخة. و ما أحوجنا لحركة نسوية تخدم مصالح المرأة في جميع مراحل حياتها. و ما أقل حاجتنا لمعارك لا لزوم لها تضرنا أكثر ما تنفعنا كنساء عاديات.

إن الظلم لن يُرفع عن المرأة بالكره و بتنصيب الرجل و الدين أعداء لها، بل بالمعرفة و الثقافة و العمل و الإنتاج.

 

 

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

3 thoughts on “السعودية و الخطاب النَسَوي المنقوص!

    • أهلا أستاذة صفية
      معكِ في ما ذكرته و لكني لم أشأ أن يأخذ الموضوع صفة البحث …المقال مجرد قراءة تحليلية سريعة في المشهد السعودي …أما ذكر الأمثلة فسوف يتطلب موضوعا آخر أكثر عمقا مما يحتاج لقراءات مكثفة اكثر حتى يتم طرحه بحيادية و بمعرفة شاملة دقيقة …مراعاة للحيادية و الدقة لم أشأ أن أذكر بعض الأسماء و الأمثلة و أغفل أخرى.

      شكرًا لكِ على تعليقك و مرورك الجميل 🙂

      تحياتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s