العيب أم الجيب؟

هناك أصنام وهمية تحكم تفكيرنا و حياتنا. هناك أحكام نطلقها على الآخرين لأننا مقيدون بالفكرة أو بالنمط الذي تم غرسه في ثقافتنا و بيئتنا و عقولنا حتى كادت هذه الأنماط تصبح مثل الأصنام التي كان يعبدها العرب في الجاهلية و لا يقبلون المساس بها رغم معرفتهم بأنها أصنام لا تضر و لا تنفع!

لذلك وجب تحطيم أصنام النمطية هذه التي تتحكم في عقولنا و تديرها كيفما تشاء بدون منطق أو وعي. و أكثر الصور النمطية التي تحكمنا تلك التي تتعلق بالمرأة و الرجل و علاقتهما. و ربما ساهمت الأمثال الشعبية مساهمة واضحة و عميقة الأثر في إدارة عقولنا نحو ما هو مقبول و ما هو غير مرغوب…نحو ما هو صحيح و ما هو خاطيء بغض النظر عن شرع أو واقع أو قانون أو زمان و مكان أو شخصية أو بيئة!

و سأبدأ ببعض الأمثال الشعبية الشرقية التي ساهمت في وضع العلاقات العاطفية و الأسرية على صفيح ساخن و أحيانا على صفيح مادي يشبه صفقات مشبوهة تدور في الردهات حيث يسلم البائع و يستلم المدمن!

الرجل لا يعيبه سوى جيبه!

يا سلام!

لا يعيبه أنه زانٍ! لا يعيبه أنه مدمن خمر! لا يعيبه أنه غير مسؤول! لا يعيبه أنه لا يربي أولاده على الصدق و الاستقامة1 لا يعيبه سوء خلقه! لا يعيبه كسله و عدم إنتاجيته! لا يعيبه انعدام طموحه! لا يعيبه قلبه الأسود! لا يعيبه مظهره القبيح!

لا شيء يعيبه سوى جيبه وفقا للمثل الأكثر استخداما في مواقف الخطوبة و الزواج و حتى بعد الزواج!

و بذلك جعل هذا المثل الذي يكاد يشكل جل ثقافتنا _جعل الرجل مجردا من الإنسانية: مجرد مصرف متنقل أو آلة صراف حسب مقاييس عصرنا…إن عملت هذه الآلة فهي صالحة و إن لم تعمل فلا قيمة لها!

مثل شعبي ربما تلفظ به أحد الجهلاء الذين لا يملكون سوى المال أصبح يقيد حياتنا! و مع مرور الزمن أصبح المثل ثقافة و صورة نحكم بها على الرجل من خلال ماله! و أصبح الرجل يزهو و يمتليء ثقة بنفسه لمجرد أن جيبه مليان حتى و إن كانت أخلاقه “تجارية هامورية” و عقله فارغ إلا من التخطيط للصفقة القادمة!

و الرجل وفقا لثقافة “الجيب يحدد هويتك” ظالم و مظلوم…فالمثل خلصه من كل مسؤولياته الصعبة كرعاية الأسرة و خلصه من فكرة أنه يجب أن يبذل جهدا غير الكسب المادي ليسعد من حوله و يقوم بدوره على أكمل وجه!

و هو مظلوم لأن هذا المثل جرده من قيمته كإنسان إن لم يكن يملك المال! قد يملك الصدق و الصراحة لكنها لا تهم لأنه لا يملك المال! قد يملك الشهامة و الطيبة و حسن المعشر لكن ذلك لا يهم لأنه لا يملك المال الذي يشتري به لزوجته كل ما تتمناه…

و تلك الزوجة بدورها لم تتربى على أنها يمكن أو يفترض أن تحصل على أي شيء من الزوج سوى المال! فهي تدرك من خلال تربيتها و خبرات أمها و جدتها أن الرجل ليس مطالبا بأن يكون لطيفا أو أن يساعدها في تربية الأولاد مثلا…ليس مطالبا بأن يبذل جهده ليحرك مشاعرها و عواطفها…..ليس مطالبا بشيء سوى الإنفاق بحسب ما تربت عليه…و لذلك نجدها تصر و تلح على طلب المزيد حتى تشعر بقيمتها و كيانها، فهذا كل ما يسمح لها المجتمع بطلبه من الرجل بدون أن ينظر لها نظرة دونية أو مريبة. بالعكس فالمرأة “الشاطرة” هي التي تصفي جيوب زوجها و تكون قد ربحت اللعبة و “محد قدها”!

و قد تظنون أن هذا الأمر انتهى في عصرنا إلا أن الصورة النمطية للرجل كمصدر للمال (فقط) لا تزال مزدهرة في كثير من الأسر. و قد عرفت بنفسي كثيرات تزوجن برجال يعرفن عنهم مسبقا ما يشيب له الرأس من فساد لكن وقوف السيارة الفارهة عند الباب و بريستيج السفريات و الماركات كان كفيلا بوضع غمامة على الأعين و كان كفيلا بمباركة تلك الغمامة المقيتة بعبارة “الرجل لا يعيبه سوى جيبه” ….طبعا لا داعي لأن أذكر لكم أن زواجات كهذه لم تستمر و التي استمرت فقد استمرت صوريا و على مبدأ “خذي فلوس و أسكتي على خيانتي و عربدتي و سوء أخلاقي و إهمالي!” و الزوجة طبعا تأخذ و تنفس عن غلها و غيظها بطرق شتى لا مجال لذكرها هنا!

و هنا أقف لأحطم هذا الصنم الذي حكمنا طويلا و أقول: الرجل يعيبه ألف شيء و ليس فقط جيبه! ربما جيبه هو آخر ما يعيبه!

رجل بلا أخلاق و بلا ضمير و بلا مسؤولية لا يساوي شيئا و إن كان أكبر “مليونير” في البلد!

الرجل يعيبه ما يعيب المرأة فالعيوب البشرية واحدة و لا تتجزأ و تتفصل بحسب الجنس! و لا داعي لذكر تلك العيوب حتى لا أجرح أحدا…لكني أقول للمرأة اليوم لا تعطي نفسك لأي رجل لمجرد أنه غني! كوني انتقائية جدا في اختيار زوج المستقبل أو القبول به! ما سكتت عنه الأخريات من أجل المال ليس من الضروري أن تسكتي عنه أنتِ أيضا! عِزي نفسك تجديها و ذلك بالحرص على صلاح الزوج و حسن أخلاقه …فالمال لا يصنع الرجال و لا الأخلاق.

و أتمنى من أميرات الفخفخة و الرفاهية أن يستيقظن، فذلك الزوج “الجيب” لن يكون يوما قلبا يحتوي و يخلص و يعطي و يحنو! و إذا ما تزوجتي بذلك الثري الذي سيشتري لكِ حقائب شانيل و كوتش و مجوهرات تيفاني، فلا تتذمري و تندبي حظك لو اكتشفتِ عيوبا لا تحتملها أي امرأة، فأنتِ لم ترفعي مقاييسك و أخذتي ما كنتِ تطمحين إليه…عندئذ لا تلومي إلا نفسك.

تزوجي برجل (إنسان)، لا بآلة صراف متحركة! و أنا هنا لا أقول اختاري الفقير لأنه أفضل دائما، بل أقول لا تجعلي المال و الثراء هو معيار اختيارك أو قبولك بالزوج. هناك معايير أخرى كثيرة لابد من النظر فيها و إن جاء المال الوفير بالإضافة للأخلاق و المباديء، فخير و بركة من الله. و طبعا ليس كل ثري فاسد…لكن كل زواج قائم على أساس اختيار الزوج لماله (فقط) لن يكون في الغالب ناجحا و لا سعيدا.

قرصة مثالية:

المرأة الحرة و بنت الأصول لا تُشترى بالمال!

لدغة واقعية:

بعض الرجال الأثرياء يتزوجون الجميلات و الشابات و يبدلونهن الواحدة تلو الأخرى تعويضا عن نقص كبير فيهم!

 

Advertisements

2 thoughts on “العيب أم الجيب؟

  1. أصنام تُعبد؛ قلوب تتحطم؛ وأطفال تتعقد نفسياتهم
    وبقسوة تلك اللدغات المتكررة
    متى يستيقظون ؟
    فظل الحيط أشرف من ظل ذكر ليس برجل

    شكرًا مها لأن ماتكتبين جميل جداً
    وما عليك إلا البلاغ 🙂

  2. أولا أشكرك لمجهودك في كتابة و نشر هذه المدونة الجميلة و لطرح أفكارك بهذا الوضوح خاصة من إمرأة تعيش في مجتمع ينتمي لمجتمعات عربية أبوية والتي نادرا ما تقبل الحوار و تفضل العنف أو سلطة الأكبر لفرض الأفكار ولديها حساسية كبيرة اتجاه المرأة التي أصبحت تشكل عماد القلق النفسي وبؤرة التنظير للفكر المؤامرات وثانيا أشكرك لقراءة هذه السطور من شاب كره من حال التخلف و الفوضى في الوطن العربي لا أريد أن أطيل الكلام كثيرا لأنه يجلب الملل للقارئ ويشتت التفكير وإن كانت آلام النفس و معاناتها لتدفع لكتابة المئات من الصفحات لكني أرى أن ما تطرحينه هو أحد نتائج الإنحطاط المرير…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s