جريمة الأنوثة!

ربما أكثر جريمة تنسب للفتيات و النساء هذه الأيام هي الأنوثة! و هي في ذات الوقت الجريمة التي تسعى الكثيرات لارتكابها و يسعى الكثيرون للحوز على رضا من ترتكبها!

منذ أن تولد الفتاة، تحاط بعالم من الجمال و الحلي و الألوان و خصوصا اللون البمبي، و تظل هكذا محاطة بالعرائس و التفاصيل الطفولية-الأنثوية إلى أن تبلغ سن المدرسة حتى تبدأ بفقدان شيئا من عالمها الجميل بحكم قوانين المدرسة حيث ربطات الشعر الملونة أو المزخرفة ممنوعة و الزي المدرسي الموحد يساوي بينها و بين جميع الفتيات الأخريات فلا تعود تشعر بالتميز الذي تعودت عليه و هي تباهي بعرائسها و فساتينها الزهرية و ألعابها. و هذا وضع طبيعي في معظم المدارس إذ تتعلم فيه الطفلة الفصل بين جدية عالم الدراسة و بين دلال و مرح بيتها و أسرتها و غرفتها الجميلة.

و لكن ما أن تبلغ الفتاة سن المراهقة في مرحلة المتوسطة و بعدها الثانوية حتى تتحول تلك الأنظمة المدرسة إلى تعاليم صارمة تُلقى في أحيان كثيرة بصيغة شرعية تحرم الكثير و لا تبيح إلا الأساسيات! و تتعلم الفتيات المراهقات أن التعبير البسيط عن أنوثتهن من خلال بعض الإكسسوارت و بعض الألوان مثلا ما هو إلا أمر مخالف “للحياء” و لشر ع الله!

مريول

و لنبدأ من المريول المدرسي المقيت الذي تحرص معظم المدارس عند تصميمه على أن يكون فضفاضا أو بدون قصّات تظهر تقسيمات جسد الفتاة مثل صدرها و وسطها و كأن البروز الطبيعي لصدر الفتاة و تحديد ملامح وسطها شيء يتنافي مع الأخلاق و الحياء! و حتى تكتمل صورة الطالبة (الراهبة) تشدد معظم المدارس على عدم استخدام أي اكسسوارات للشعر و أي حلي تتزين بها الفتاة مهما كانت بسيطة، مثل السلسة و الحلق. و الشعر طبعا يجب أن يكون مصففا بطريقة لا تظهر جمال الفتاة بل بطريقة تجعلها تبدو مثل سيدة في الخمسين. و بلا شك فإن أي نوع من المساحيق حتى لو كانت مجرد كحل عربي بسيط و مرطب شفاه ممنوعة منعا باتا و قد تعرض سمعة الفتاة للخطر و قد توصم الفتاة بقلة الحياء طوال حياتها المدرسية!

و تصل الفتاة لمرحلة الجامعة لتجد معظم تلك “المحرمات” قد أصبحت “حلالا” فجأة! و هنا تصاب بصدمة “الجَوعى” عندما يجدون طعاما شهيا وافرا بعد طول حرمان، فلا تكون ردة الفعل سوى الانفلات و الهمجية و على أقل تقدير تكون انعدام الذوق و انعدام القدرة على اتخاذ القرار المناسب فيما يتعلق بالمظهر و التصرف!

 و أحيانا (حسب الكلية أو الجامعة) تستمر المحرمات و تزداد! و هنا تكون ردة فعل الفتاة إما الخضوع و الاستسلام لما عاشت عليه طوال حياتها من قمع لأي مظهر من مظاهر الأنوثة أو التمرد الذي يسيء لسمعتها في الجامعة و قد يؤدي بها إلى الانحراف فيما بعد!

ما الخطأ في كل ما سبق؟ هل الخطأ في وضع أنظمة و قوانين و زي موحد أو بعض الحدود على اللباس في المدارس و الجامعات؟

الخطأ في رأيي هو انعدام الشفافية و الوضوح و الحوار!

يمكنك أن تلِزم أي طالبة بالخضوع للقوانين المدرسية و ذلك بتخويفها من الفصل أو بتهديدها بإنقاص علاماتها …إلخ. و لكن لِـمَ لا يكون القانون المدرسي (الموضوع) أيا كان واضحا من حيث أسبابه؟ لماذا لا يكون هناك حوار بين إدارات المدارس و الطالبات حول الفرق بين حياة المدرسة و الحياة الاجتماعية؟

طوال حياتي الدراسية، كنتُ فتاة مشاغبة من حيث الملبس. و مشاغبتي كانت لا تتجاوز مخالفات بسيطة في وضع مرطب الشفاه و أحيانا لبس سلسلة ذهبية بسيطة أهداني إياها والدي. لكن للأسف، لم تحاورني و لا معلمة أو مديرة حول أسباب منعي من لبس تلك السلسلة أو وضع مرطب الشفاه الذي كنت أحتاجه بشدة بسبب حساسية جلدي. و لم تسألني أي معلمة عن سبب إصراري على وضع المرطب ذو اللون الشفاف حتى أشرح لها!

لم تشرح لي أي معلمة أن السلسلة الذهبية ليست حراما و لا عيبا و أن وضع المرطب ليس فجورا و أن لبس حزام قطني على مريول المدرسة ليس مياعة و ليس قلة حياء! لم تشرح لي أي معلمة أن لكل مقام مقال، و لكل مكان لباسه المناسب! كل هذا تعلمته من والدتي و ليس من أي مدرسة محترمة! و لم توفر لي مدرستي الثانوية نشاطا مدرسيا ترفيهيا ألبس فيه ما أريده و أشعر فيه بالجمال فيما بين زميلاتي في المدرسة!

و في كلية التربية التعيسة في التسعينيات، كان زينا الموحد و نحن طالبات جامعة عبارة عن تنورة طويلة لونها كحلي أو أسود أو بني و بلوزة أرزق فاتح أو أبيض أو بيج! ثم تقلصت الألوان فيما بعد في الكلية لتحصر فقط في تنورة سوداء و بلوزة بيضاء كأننا نؤدي مراسيم العزاء لتنوع توفاه الله! و طبعا التنورة لابد أن لا تكون مفتوحة من الوراء أكثر من شبر و البلوزة لابد أن تكون بأكمام طويلة و قبة عالية و غير ضيقة حتى لا تظهر معالم الأنوثة المحرمة القذرة! و لا أدري كيف الوضع الآن في تلك الكلية لكني أتمنى أن يكون قد تغير للأفضل!

إن من يقرر تلك القوانين في مدارس و كليات البنات لا يعرف شيئا عن نفسية الأنثى! لا يعرف أن الأنثى تحب التزين لنفسها و لبنات جنسها و ليس لغرض سيء و ليس للفت نظر الرجال! إن حب الزينة و التجمل شيء فطري في الأنثى و لا علاقة له برجل كائنا من كان! إن من يضع تلك القوانين لا يعلم أبدا أن مظاهر الأنوثة البسيطة تشكل جزءا مهما من النمو السليم لشخصية الفتاة التي ستصبح يوما ما زوجة مطلوب منها أن تكون أنثى مغناج!

أنا لستُ ضد القوانين و الزي المدرسي لكني أرفض تماما الصرامة و العنف الذي تُعامَل به الفتيات عند مخالفتهن للأنظمة و كأنها تشريعات إلهية! و أرفض تماما أن يُنظر للفتاة المخالفة للنظام المدرسي على أنها سيئة السمعة و كأنها خالفت أوامر الله! أعتقد أن الحل يكمن في حوار صريح مع الطالبات حول الالتزام بالنظام و احترافية المظهر المهمة جدا في المدرسة و العمل. و هذا الحوار لابد أيضا أن يؤكد على أن وضع المرطب أو تضييق المريول ليس حراما و أن قوانين المدرسة جُعلت لغرض التركيز على التحصيل الدراسي و لغرض المظهر الاحترافي. و لابد من أن يكون هناك من فترة لفترة نشاطات ترفيهية في كل مدرسة للمدرسات و الطالبات على حد سواء تعطي لهن الحرية في التجمل و لبس الحلي و وضع المكياج و يمكن أن تتضمن تلك النشاطات الترفيهية دروسا بسيطة في الأزياء و المكياج لتنمية الذوق لدى الفتيات و تعليمهن اتكيكت اللباس حسب المناسَبة و المكان.

إن إظهار الفتاة لأنوثتها في المدرسة و الجامعة لا يجب أن تتم محاربته كأنه جريمة أخلاقية أو مخالفة شرعية، بل يجب احتواؤه و توجيهه و خلق قنوات للتنفيس و الترفيه للفتيات حتى نساعدهن على بلورة جميع جوانب شخصياتهن و ليس فقط الجانب الدراسي و العلمي. إن قمع مظاهر الأنوثة يخلق فتيات لا ذوق لهن و أخريات جامدات باردات لا حياة فيهن و أخريات يضربن عرض الحائط بكل قيم الأدب و بأي قانون. و لابد أيضا أن يكون هناك إدراك و وعي عام بأن الجمال و الأنوثة لا يتعارضان مع الجدية و طلب العلم ويمكن لأي فتاة أن تجمع بين رقة الطباع و المظهر الأنثوي و التفوق في التحصيل الدراسي.

و للمجتمع أيضا دور في تشويه الأنوثة و خنقها و هذا ما سأتناوله في المقال القادم بإذن الله.

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

10 thoughts on “جريمة الأنوثة!

  1. فعلاً يامها، تحليل جميل لواقع بائس
    أراه ينطبق كذلك على طريقة الحجاب
    ومجتمع ينشغل بتوافه الأمور ويصنع مشكلات هي ضد الطبيعة البشرية أساساً. ورغم كل هذا إني اتفائل دوما بمستقبل أفضل يارب..

  2. سلمت اناملك عزيزتي…فعلا نحتاج لغه حوار بناء بين واضعي الانظمه و مستقبليها…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s