ملحد غربي و ملحد سعودي!

بحكم دراستي للأدب الانجليزي في مرحلتي البكالوريوس و الماجستير، قرأتُ بتمعن لكثير من الفلاسفة و المفكرين الملحدين في الأدب الانجليزي، و قرأتُ الكثير عن حياتهم و أعمالهم  و إنجازاتهم الكثيرة الثرية التي تنوعت بين الأدب و السياسة و الفلسفة. و كثيرا ما شدني الفضول للذهاب بعيدا عن عالم الأدب و القراءة حول الإلحاد و الملحدين في المجالات الأخرى و خصوصا في المجالات العلمية. و بكل تأكيد لا تناسبني معتقداتهم عن الله جل و علا و أحمد الله أن إلحادهم لم يزدني إلا يقينا و إيمانا بوجود الله عز و جل و بوجود الحياة الآخرة حيث العدل للذين ظُلِموا في الحياة الدنيا و حيث الجنة للمحسنين الصابرين و النار للمسيئين و المفسدين في الأرض.

لكني و بالرغم من رفضي لفكر هؤلاء الفلاسفة الإلحادي، إلا أنني أكن لهم إعجابا و تقديرا لما قدموه من أعمال جليلة سواء كانت أدبية أو سياسية أو علمية. و أشعر بتقدير كبير لبعض من الملحدين الذين بالرغم من إعلانهم الإلحاد صراحة، لم يقوموا بسب الأديان أو الله احتراما لمن يؤمنون بالله بغض النظر عن ديانتهم.

و على سبيل المثال لا الحصر، هناك العديد من ملحدي الغرب و الشرق الذي خدموا البشرية سواء بفكرهم أو باكتشافاتهم العلمية و من ضمنهم إيفان بافلوف الروسي (حاصل على جائزة نوبل لأبحاثه حول الجهاز الهضمي)، جواهر لال نهرو (زعيم الهند السياسي ضد الاستعمار الانجليزي)، ليناس بولينج (حاصل على جائزة للكيمياء و جائزة نوبل لجهوده المتواصلة ضد الاختبارات البيئية النووية)، نايوم تشومسكي (من أشهر و أهم علماء اللغويات و أهم من كشف زيف السياسة الأمريكية و خبثها و قذارتها من خلال عشرات الأبحاث و الكتب و الأفلام الوثائقية)، و الكثير غيرهم ممن قدموا للبشرية أكثر من مجرد أفكارهم الخاصة عن الذات الإلهية، بل إن الكثير من الملاحدة المشهورين جدا يصرحون علنا بأنهم يرفضون سب أي إله أو التعرض لأي دين و بعضهم يصرح بأن إنكاره لوجود الله لا يعني أن هذا هو الفكر الصحيح الذي ينبغي أن يتخذه الآخرون كعقيدة و دين! أولئك ملحدون أحترم عملهم و فكرهم و جهودهم و إنسانيتهم و أخلاقهم و إن كنتُ أختلف بشدة مع إنكارهم لوجود الله الذي لن ينقص قدره عدم إيمانهم به_جَلّ و علا.

لكن على الجانب الآخر، أنظر لبعض الملحدين العرب و خصوصا السعوديين….ما شاء الله…شباب ضائع ذا فكر سطحي..مفرداته ضحلة و نقاشاته عبارة عن جدل سقيم عقيم للانتصار الشخصي، لا للبحث عن الحقيقة…شباب لم يفعل شيئا لدنياه …لم يقدم شيئا لمجتمعه…لم يخدم أسرته…ببساطة لم يقدم أي إنجاز صغيرا كان أم كبيرا …و رغم ذلك فإن أول ما يقوم بفعله هو المطالبة بحقه…المطالبة بحقه في ماذا؟ حقه في السب! في سب الله عز و جل…في سب من سواه إنسانا كاملا يسمع و يبصر…في سب من جعل له عقلا وفكرا و رأيا… في التعبير عن رأي حضرته في خالق الكون! قراءاته لا تتجاوز بضع تغريدات متفرقة و مجلات المانجا و يتكلم عن الحقوق و يفرد عضلاته بالتميز، فهو ليس كالقطيع يؤمن بالإله الذي يؤمنون به! و لم يكتفِ بعض الملاحدة السعوديون بإنكار الله (و هذا حقهم على فكرة، فلا إكراه في الدين) لكنهم تجاوزوا ذلك لسب الله و شتم الدين الإسلامي و غيره بأقذر الألفاظ! يا عيني على الإبداع! يبدو أننا فاشلون حتى في الإلحاد! طيب…ممكن أتقبل إلحادك لو أنك أثبت وجودك في الحياة الدنيوية …ممكن أتفهم إلحادك لو أن لك فكرا عظيما …لو أن لك إنجازات خارقة خدمت البشرية…على الأقل أستطيع القول حينها أن هذا الإنسان ناجح و مميز قدم شيئا مفيدا لمجتمعه أما كفره و إيمانه فهذا ليس من شأني! أما أن تكون فاشلا بذيء اللسان و ملحدا، فهذا ما لا يتحمله قلبي الصغير سيدنا الملحد! ربما ترى أن الإلحاد طريقك و لك الحق في اختياره طبعا، لكن تعلم من ملاحدة الغرب، فهم على الأقل خدموا البشرية، أما أنت فماذا فعلت يا أبو لسان طويل؟

هناك ملحد أحترمه (و إن اختلفتُ معه في عقيدته) لأنه قدم الكثير لمجتمعه و للبشرية…و هناك ملحد طفولي ساذج لم يكسب شيئا بإلحاده سوى زيادة عدد متابعيه في تويتر و ربما شهرة مزيفة و عمر يقضيه في السب البذيء بينما يستلقي (أو يختبيء) خلف جهاز الآيفون أو الكمبيوتر! إن السب حجة الضعفاء و أسلوب من لا فكر لديه و وسيلة المهمشين للتميز تماما كالذي يمشي عاريا بين الناس و يفرح لأنهم ينظرون إليه ظنا منه أنه أصبح مشهورا ملفتا للنظر!

و المضحك المبكي في الأمر، أن بعضهم يرى أنه عظيم لمجرد أنه أنكر وجود الله و سبه و هو لا يدرك أنه هو النكرة في عالم لم يقم فيه بأي خدمة لنفسه أو لأسرته أو لمجتمعه…و لا داعي أن نقول أنه لم و لن يقدم أي خدمة للعالم فهذا الملحد السعودي أكبر من هذا العالم التافه! الشعب المختار حتى في الإلحاد يا حبايبي!

عزيزي الملحد السعودي،

من حقك أن تنكر أو تشكك في وجود الله، فالشك طريق اليقين. من حقك أن تشكك و تبحث حتى تصل للحقيقة، لكن ليس من حقك أن تسب الله أو أي دين يعقتنقه الملايين لمجرد أنك لا تؤمن بذلك الدين!

عزيزي الملحد السعودي،

قبل أن تقرر إعلان تمردك و إلحادك، حاول أن تمحو صورة المطوع الذي جلدك أو أهانك و أنت مراهق لأنك كنتَ تطيل شعرك، فذلك المطوع ليس الدين الذي تتمرد عليه و لا يمثل الله في أي شكل أو صورة!

عزيزي الملحد السعودي،

أنت لست عظيما أبدا لمجرد أنك ملحد! أنت مجرد مواطن عادي لم يقدم شيئا! يعني خسرت الدنيا و قد تخسر الآخرة أيضا إذا توفاك الله على الإلحاد!

عزيزي الملحد السعودي، لا تجعل إحباطاتك الشخصية و فشلك الأسري أو المهني يخلق منك شخصا حانقا على الله و الدين، بل وَجِه هذا الحنق و السخط لمن يستحقونه…و بالتأكيد فإن من يستحق أن تتمرد عليه ليس الله، بل كل ظالم منافق سلبك حقك في الحياة الكريمة! 

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

4 thoughts on “ملحد غربي و ملحد سعودي!

  1. Reblogged this on حياةُ أديبة and commented:
    أعجبتني إشارة أستاذة مها لموضوع التخلص من صورة المطوع الذي ضرب الفتى على شعره الطويل، فعلاً أغلب الساخطين على الدين ساخطين لأنهم لم يتخلصوا بعد من كل عقد الطفولة التي سببها لهم الكبار بتزمتهم و قسوتهم!
    أيضا أحب أن أضيف نقطة، دائما و أبدا أؤمن بالاحتفاظ بأفكاري و قناعاتي المتجددة لنفسي و لا أصرح بها على الأقل حاليا، و هؤلاء الشباب الذين وُصفوا في المقال لا يسكتون أبدا، كل شيء يعبروا عنو و أحيانا شوية تردد و قمع للنفس يكونوا مفيدين!
    أحزن لمن أفكر إنهم ممكن بعدين يكبروا و يضعفوا و “يهجدوا” و “يتدينوا” بطريقة مش حلوة و يعيدوا نفس الموال على أولادهم يعقدوهم بالقسوة و التزمت!

  2. السلام عليكم
    لقد قرأت لتوي هذا المقال، ووجدت نفسي أرغب في كتابة تعليق بسيط على بعض النقاط، وانتهى بي الحال إلى أربع فقرات متكاملة في غضون دقائق!
    بالمناسبة أنا أيضاً دارسة للأدب الانجليزي، في سنتي الأخيرة..

    أستطيع القول أني اعجبت نوعا ما بمقدمة المقال، بالحديث بما يدل على اهمية ان يملك المرء القدرة على النقاش والجدال ودعم أقواله بما يقتنع به.. وهذا هو الواجب، أن ندرك الإيمان بعقولنا ونثبته بالأدلة.. ونحن كمسلمون أولى بأن نملك هذه المقدرة، ليس فقط لكي نقنع غير المسلمين حولنا بأن الإسلام هو الدين الحق، ولكن لأننا أنفسنا أيضاً نحتاج أن نكون مقتنعين بأن إسلامنا هو الحق وعليه فنحن نلتزم بالأحكام الشرعية كافة بلا جدال وبلا “أنا حرة اسوي زي ما ابغى!”..
    ذاك أولاً..
    أما ثانياً فاسمحي لي بالتعليق على تركيزك على الملحدين السعوديين.. في الواقع، ما ذكرته من حال لا يمكن وصفه إلا بالضياع هو ما يمر به كل ما ابتعد عن الدين و تبنى اختيار هواه إله له.. حديثك عن المفكرين الغرب لا يتضمن إلا قلة قليلة، أما بالنسبة للأغلبية العظمى فهم أناس قد مروا بتجارب، أو لنقل ابتلاءات، زعزعت ما كان لديهم من إيمان، و هنا اتحدث عن المؤمنين بشكل عام لا بشكل يخص المسلمين، فلعدم قدرتهم على تبرير حكمة الخالق فيما أصابهم انتهوا إلى تفضيل عدم الإيمان بوجوده.
    أبسط الأمثلة التي دائماً ما ألجأ إليها هو قصة تشارلز داروين، الذي فقد ابنته بعد فترة من مرض لم يجد له أحد علاجاً، فأنكر وجود الخالق (لأنه لو وجد خالق فعلا فلما يكون بهذا القدر من اللارحمة و اللاعدل، بأن يرزقه ابنة يحبها ثم يسلبها منه!) لا أظنني بحاجة لشرح نظريته هنا، ولكننا نعلم أنه وبالرغم من التحفظ في قبول فكرة كهذه وخاصة بوجود الكنيسة في بادئ الأمر، إلا أنها اصبحت فيما بعد شهيرة بشكل واسع الانتشار، وحالياً يبذل المتخصصون جهداً كبيراً في محاولة للكشف عن حقيقة الخلية الأولى التي نتج عنها الكون بأسره!
    لماذا؟ لأنه في كل زمان و مكان هناك كثر ممن يستندون على جدار الإلحاد حين لا يجدون إجابات شافية، ويزداد الأمر سواءً في حال المسلمين في العصر الحديث لأنهم لم يتلقوا الإسلام كما يجب، لأن “من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟” لا يمكن أن تكون أبداً الجواب الشافي مالم نستطع فهم الإجابات لحل العقدة الكبرى “من أين جئنا (أي مَن خلقنا)؟ ما دورنا في هذه الحياة؟ و إلى أين مصيرنا بعد الموت؟” و العلاقة بينها جميعا، أي أننا عائدون لخالقنا لكي نحاسب و نلقى ما نستحق من جزاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s