حَيْوَنة الرجل!

“كائن لا يستطيع التحكم في نفسه!

مخلوق لا يستطيع كبح جماح غضبه!

كائن لا قيمة له بدون المال لذلك همه الأكبر هو جمع أكبر قدر من المال بكل و أي طريقة ممكنة و لا حرج عليه!

مخلوق قد يرتكب أبشع جريمة…قد يغتصب جسدا لا يحق له لمجرد أن ذلك الجسد أعجبه!

كائن يعطي لنفسه الحق في إطالة النظر و “البحلقة” في أنثى جميلة مرت به أو أنثى عادية عرضت جسدها للجميع!

مخلوق مستعد أن يتزاوج مع كل إناث الأرض و لا يشبع!

كائن يستمتع باللعب بكائن آخر مثله و لا يجد حرجا في أن يرمي ذلك الكائن الآخر عندما يمل منه بغض النظر عن مشاعره!

مخلوق يكرس أمواله لعرض جسد الجنس الآخر ليجني الملايين! “لا أقصد أحدا تعرفونه في العالم العربي”

مخلوق يشتهي أنثى قذرة تكسب رزقها من بيع جسدها لعشرات الرجال!”

ما هذا الكائن الغريب المقزز؟

إنه الرجل الحديث!

طبعا الوصف أعلاه ليس وصفي و لا رأيي، بل هو حصيلة عشرات السنين و ربما مئات السنوات من تكريس لمفهوم الرجولة في ثقافة المجتمعات المعاصرة عن طريق الإعلام بكل وسائله القديمة و الحديثة. و لا فرق هنا بين المجتمعات الغربية و العربية، فالرجل الغربي حيوان في الملاهي الليلية ليلة السبت و راقٍ في نهار يوم الإثنين بعد أن نفّس عن همجيته مع نساء هن أيضا تخلين عن إنسانيتهن…أما  العربي فليس له مكان يعبر فيه عن حيوانيته سوى الشارع!

إن التوصيف أعلاه للرجل و من ثم لمفهوم الرجولة يجعلنا نعكس تساؤل قديم جدا: هل الرجل إنسان؟ و ربما قد يجعلنا نتساءل هل الرجل حيوان؟

وفقا لما تعرضه وسائل الإعلام اليوم و وفقا لما تم ترسيخه في عقلية المجتمعات الحديثة، فإن الرجل كائن جنسي شهواني لا أخلاق له فيما يتعلق بالمرأة و لا أخلاق له فيما يتعلق بالمال…و كل ذلك يحدث بمباركة المجتمع! و طبعا توجد قوانين رادعة في الغرب لتلك الحيوانات الهمجية إذا اعتدت على بشر “لم يصبحوا حيوانات بعد أو لم يتأثروا بعملية الحَيْوَنة”…أما إذا تمت الممارسات الحيوانية بين الكائنات “المتحيونة” بينهم و بين بعض، فليس للقانون التدخل، فتلك حرية حيوانية…أقصد حرية شخصية!

أعتقد أن الجميع يدرك ما يحدث للمرأة من “تسليع” و “تشييء”  سواء في الغرب أو الشرق (و إن اختلفت الطرق) لكن قلة يعلمون أن الرجل أيضا يتعرض لما يفقده إنسانيته

 de-humanization…إنها عملية تشبه كثيرا مسألة “تشييء” المرأة و لكنها في هذه الحالة يمكن أن أطلق عليها عملية “حَيْوَنة” الرجل!

بربكم …هل “الرجل” الموصوف أعلاه يمكن أن يكون قائدا شجاعا شهما و كريما؟ هل “الرجل” الموصوف يمكن أن يكون حماية و درعا للأنثى في حياته؟ هل يمكن أن يكون الرجل أعلاه سكنا لأي أنثى لم تفقد إنسانيتها بعد؟ هل ذلك الكائن يمكن أن يكون مسؤولا عن زوجة و أسرة مسؤولية فعلية و ليست صورية فقط؟ ثم كيف تغير الرجل (الحقيقي) الشهم الذي يدافع عن امرأة صرخت مستنجدة إلى رجل هدفه صيد أي امرأة و إلحاق الأذى بها؟ كيف تحول مفهوم الرجولة من “خيركم لأهله” إلى مفهوم الزوجة سبب البلاء و العشيقة سبب السعادة؟ كيف تحول مفهوم المرأة القذرة المنفية اجتماعيا إلى امرأة “كلاس” يباركها كبار رجال المجتمع، بل و يدعمونها ماديا لتبرز كل ما لديها أكثر و أكثر؟ كيف أصبح رجل الأعمال الممول للدعارة محترما بعد أن كان يفعل ذلك خفية و بخوف كبير من الفضيحة و العار؟

لا ألوم الرجال على تصرفاتهم الحيوانية و لا ألوم النساء على سعيهن و رضاهن لدور الدمية من أجل أن تشتري فيلا على البحر و حقيبة شانيل!

إن ما يحدث اليوم للرجال، كما يحدث للنساء، ما هو إلا عملية تحويل الإنسان إلى مسخ استهلاكي، هدفه الوحيد جمع المادة (سواء كانت أشياء أم بشر) حتى يشعر بالسعادة و بالقوة و السيطرة على حياته و حتى يشعر بأن له قيمة! إن ما يحدث جريمة بحق إنسانية الرجل و المرأة معا لأنه بمجرد أن يفقد الإنسان إنسانيته، فلن يبقى له شيئا سوى المادة…سيصبح “مالكا” لكل شيء باستثناء روحه و استقراره النفسي…و هذا يتضح جدا في كمية الأمراض النفسية و نسب الانتحار في الغرب و الشرق على حد سواء و يتضح في نسبة السلبية المنتشرة أو كما نطلق عليها “النفسيات” في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة! كل هذه السلبية ما هي إلا نتيجة عملية تشويه قديمة في أصل الأنوثة و أصل الرجولة!

إنها عملية سياسية إقتصادية تستخدم الإعلام للسيطرة على الجماهير و جعلهم قطعان همهم الوحيد الأكل و الشرب و الاقتناء و السيطرة و الجنس! و الهدف من هذه السيطرة يصب في مصلحة السياسي و الإقتصادي أولا و أخيرا، فيضمن السياسي إنشغال الشعب عن فساده و يضمن الإقتصادي ثروة هائلة من بيع توافه الأشياء و خردة الأفكار بأسعار باهظة يدفع ثمنها المواطن المهووس بالمادة و الجسد! و طبعا هذه العملية بدأت من قرون طويلة بطرق مختلفة حسب الزمان و المكان..الفرق الوحيد بين ما كان يحدث و بين ما يحدث اليوم هو أن القيم و المباديء (دينية أو لا دينية) كانت هي السائدة و المسيطرة.

drewling

من الطبيعي أن ينجذب الرجل إلى المرأة و العكس صحيح…و من الطبيعي أن نسعى للمال و لحياة الرفاهية فهذا حق لنا لكن كل هذه الأمور الطبيعية يمكن أن تحدث في إطار طبيعي إنساني و ليس في إطار حيواني يباركه المجتمع علنا حتى و إن رفضه في قرارة نفسه!

من الطبيعي أن يعجب الرجل بامرأة جميلة و لكن ليس من الطبيعي أن يتحول هذا “المعجب” إلى حيوان متحرش أو مغتصب!

من الطبيعي أن يلتفت نظر الرجل لامرأة أغوته عمدا لكن ليس من الإنسانية أن يجعل ذلك الرجل تلك المرأة التي تبيع جسدها فوق و قبل زوجته و أولاده و أسرته و ربما عمله!

لا ألوم هنا الرجل و لا المرأة، بل ألوم عقودا من الإعلام المسيّس و المموّل الذي جعلنا نعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة و أن للرجل أن ينسى قيمه و مبادئه من أجل ملذاته و للمرأة أن تتخلى عن إنسانيتها لتحظى بالرجل الذي سيوفر لها المال!

ثم ما هي “القيادة” و القوامة” و “القوة” إذا كان الرجل فاقدا القدرة على التحكم في عبادته للمال أو النساء؟ إن تللك العبودية للأشياء _للمادة أو النساء_ هي ما انتجت معاتيه و مجرمي التاريخ في الشرق و الغرب.

إن صورة الرجل اليوم ليست سوية لا بمقاييس الدين و لا بمقاييس التحضر و كذلك صورة المرأة، و إذا لم نتعامل مع القضيتين كقضية واحدة مترابطة، فإننا لن نجني سوى مزيدا من التشوه للجنسين و أيضا مزيدا من النفور بين الرجل “المتحيون” و امرأته التي تحاول الاحتفاظ بإنسانيتها و مبادئها و كذلك بين الرجل المحافظ على آدميته و امرأته التي تم تشييئها منذ زمن حتى لم تعد تنظر إليه إلا كآلة صراف متنقلة!

لذلك كما قلتُ مرارا و تكرارا، إن قضية المرأة لا يمكن أن يتم النظر إليها وحدها منفصلة عن قضية الرجل! فكلا الجنسين تُسحب منهما آدميتهما تدريجيا و بأخبث الوسائل إلى أن يعتاد الجميع على أن الرجل صياد حيواني يحكمه الهوس بالمال و النساء و المرأة فريسة لا عقل لها همها شراء أفخم الماركات بأي ثمن، و ليست هذه هي العلاقة السوية الإنسانية بين الرجل و المرأة!

 

 

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

11 thoughts on “حَيْوَنة الرجل!

  1. ،
    الخطأ الحكم بالعموم
    لدي رجل اقسم بهذه اللحظه
    يراني شمسه وقمره ، بعيداً عن الشهوات الرجاليه.

    • ليس هناك تعميم فلا يوجد كلمة (الجميع) و يوجد ما يشير الى ان عملية حيونة الرجل تتم تدريجيا و هذا يعني انها لم تطال الجميع بعد. و الموضوع ليس شخصي أبدا.

  2. قسوتي على الرجل بعض الشيء
    ولكن بالمجمل تفصيل وتعمق مايدور في مجالس النساء نشرتيه للعامة والذي قد يصدم الكثيرين
    اتفق معك في الفكرة ولا اتفق معك في المضمون
    تحياتي وتقديري
    قتيبة

    • لا أراها قسوة بل واقعية كما انني لم احكم على رجال من فئة معينة و لم اقل بان الجميع كذلك …المقال توعية لما يفعله الاعلام العالمي فينا رجالا و نساء …هي صورة لما يريدوننا ان نكون و قد تحدث عن هذا المفكر الامريكي نعوم تشومسكي و كذلك الناشطة السياسة نايومي واتس …

      شكرًا لك على تفاعلك
      تحياتي 🙂

  3. مقال راقي وعميق، وتسليع البشر في المجتمعات الحديثة نتيجة لتوجيه الاهتمام إلى رغبات الجسد دون الروح.
    لذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من التعلق الشديد بالدنيا، حين قال: ( …ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) رواه البخاري.

  4. كان من الصدفة أن قرأت اليوم مقال لميخائيل نعيمة اسمه (لغز المرأة)
    أورد فيه فكرة أن النظر لمشاكل المرأة بكل أنواعها لا طائل منه إن لم ننظر للرجل، لأنهما كلُّ لا يتجزأ _تماما كما ذكرت آخر مقالتك_ 🙂
    أحب كتاباتك لأنني دائما أجد فيها تحليلاً و وصفاً لشيئٍ يشغلني لكن لا أجد وسيلة للتعبير أو التحدث عنه!
    مقالٌ رائع 🙂

    • حياة أديبة
      شكرًا جزيلا لكِ على كلماتك العذبة و يسرني أن ألتقي مع العملاق ميخائيل نعيمة في هذه النقطة 🙂
      أسعدني مرورك 🌹

  5. الأعلام هو السبب لو نظرنا ٣٠سنه قبل الثوره الاعلاميه لوجدنا انه الناس كانت على طبيعتها وتتحكم بتصرفاتها بأدب بل كانت تستحي من التلفاز نفسه الرجل ليس شهواني بل هي طبيعة خلقها الله له وهنا على الزوجة أن تتفهم طبيعة زوجها المختلفة عنها،انما النساء هم السبب والاعلام المتزاحم فهذا يؤثر في عقول الرجال فرجل لايحرك شهوته الا امرأه تخلت عن عادتها وتقاليدها في جعل نفسها مكان لحيونه الرجال .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s