خشونة!

قصة قصيرة جدا

منذ طفولته و هو محاط بتلك الكلمات يرددها الجميع على مسامعه: “خليك رجال! لا تبكي زي البنات! الدلع للبنات! الزينة للبنات! الورود للبنات! الأشياء الحلوة للبنات! و إنت خليك رجال!”

نشأ محملا بأثقال الرجولة كما لقنوه إياها…نشأ مثقلا بهَم أن يكون رجلا ليس من حقه حمل وردة حتى لا يقال عنه مدلل أو فتاة أو ما شابه من الصفات التي تتعارض مع جنسه الذي خلقه الله عليه!

و مما زاد الأمر سوءا أنه عندما أصبح شابا عشرينيا، لم يجد من أخواته البنات سوى الطلبات حتى بات يشعر أنه لا قيمة له عندهن إلا بمقدار ما يأخذهن للسوق أو لصوالين التجميل…و عندما قرر والده إحضار سائق لمساعدته، أصبحت علاقته بأخواته “كما كان يتوقع” علاقة باهتة خالية من المشاعر و خالية من الدفء…ربما يتشاركون وجبة واحدة في اليوم و ربما يخرجون مع بعضهم مرة كل بضعة أشهر في زيارة عائلية، لكن لا يوجد أي مشاعر بينهم…أو ربما مشاعرهم تجاه بعضهم البعض كانت مجرد مشاعر محايدة باردة…لا حب و لا كره!

أما والدته التي كانت تدلله و هو صغير، فقد أصبحت تتحرج من تقبيله و احتضانه عندما أصبح شابا…أصبح مجمل ما يدور بينهما من حوار هو: الله يرزقك ببنت الحلال إللي تشيل همك و تريحني من غسيلك” و أحيانا كانت تتغير نبرتها فتقول له: لما تتزوج لا أشوف تقطعنا عشان بنت ال***….واجبك تزورنا كل يوم غصبا عنك! أنا ما تعبت في حملك و ولادتك و أكلك و شربك و تربيتك عشان تسيبني و تسير خدام المرة!”

و بطبيعة الحال، بعدما تخرج و وجد وظيفة محترمة بحكم تخصصه و تفوقه الدراسي، بدأت سيرة البحث عن عروس له تأخذ حيزا أكبر في حياته، فأخواته اللاهيات عنه بالأسواق و الصديقات أصبحن فجأة يتدخلن في خصوصية اختياره للعروس و يقترحن الصديقات و القريبات و يبدين آرائهن في هذه و تلك…أما والدته فقد بدأت بالفعل تبحث له عن العروس المناسبة إلى أن أوقفها بحزم ذات يوم و أخبرها أنه غير مستعد بعد لخطوة الزواج!

تجاهل غضبها و سخطها و صدمتها و واصل طموحاته في العمل، بل وضع كل همه في عمله حتى لم تعد لديه حياة اجتماعية….لكن فكرة الزواج و الحب و الاستقرار كانت تطل عليه برأسها كلما قابل زميلةً في العمل …و تلك اللقاءات كانت نادرة الحدوث لكنها كانت تحدث بين فترة و أخرى في اجتماعات أو مؤتمرات بين شركته و شركات أخرى صديقة أو منافِسة…

إلتقى بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة و الخامسة…و بدا له أن الإحباط هو العامل المشترك في كل تلك العلاقات….فلا هو بالرجل الوقح الخبيث في التعامل مع النساء بحيث يجبرهن على فتح قلوبهن و لا هو ذاك الرجل الشاعر الذي يعرف كيف يقول معسول الكلام…و لا من التقى بهن كنَ إناث بما يكفي لخلق تلك الشرارة التي تبدأ الحب …شرارة الحب تلك التي قرأ عنها كثيرا في الروايات …تلك الشرارة التي تخلقها نظرة دلال أو كلمة عميقة تستقر في القلب…أو حتى كلمة عابرة تدل على طيبة و عفوية و رقة صاحبتها…

بعض من قابلهن كن متصنعات للرقة و الدلال بشكل سمج ممجوج و هو الرجل الذي لديه خمس أخوات و يعرف معنى تصنع النساء جيدا…و بعضهن كن شرسات خشنات جدا….ربما كن يخشين من إظهار ضعفهن الأنثوي الجميل حتى لا يتم استغلالهن من قبل المرضى من الذكور…و أخريات كن صريحات حد الوقاحة…..وقاحة تصل لدرجة “معاك قرش تسوى قرش…ما تقدر تسفرني و تشتري لي ماركات، ما منك لزمة! الحب ما يأكل عيش يا ابن الناس! روح دور لك على وحدة قروية تقبل بهذا الكلام الفاضي!”

و أخريات كن بشعات…بشعات جدا رغم كل أطنان المكياج الذي كان يعلو وجوههن و رغم كل طبقات الرموش الصناعية التي كن يضعنها و رغم تلك الأظافر الطويلة المطلية بعناية فائقة، لم يكن يبدين جميلات بل ساحرات شريرات تماما كما في أفلام ديزني حتى أنه ذات مرة تخيل أنه ينظر لأرسولا التي دمرت عفوية و حلم الحورية الصغيرة…كن بشعات كأنهن دمى في سيرك هدفه الإبهار و خطف الأنظار لا لشيء سوى لجلب العرسان أصحاب الملايين!

كم تمنى أن يلمح دمعة تائهة وسط نظراتهن الخشنة….كم تمنى أن يلمح صدقا وسط نظرات الدلال المزيفة…كم تمنى أن يسمع صوت إحداهن يُحدِث في روحه و قلبه أثرا لا يزول…كم تمنى زميلة له تعامله باحترام كزميل و رجل، لا كـ “ذئب” أو كـ “صيدة” ثمينة!

رباه! كم من الخشونة و الجلافة و المادية تحيط به منذ مراهقته للآن….و ها قد طرق باب الثلاثين و هو لم يجد قلبا واحدا رقيقا…قلبا واحدا يحنو عليه بكلمة طيبة صادقة صادرة من القلب…حتى النعومة التي حوله مصطنعة…لا تختلف كثيرا عن نعومة أخواته عندما كن يعاملنه معاملة حسنة تمهيدا لطلب توصيلهن للسوق!

بعد سنوات من الجفاف العاطفي، قرر أن يستسلم لرغبة والدته في الزواج حسب رأيها….. بيتا بعد بيت..عروسا بعد عروس و هو لا يجد إلا فتيات لا يكاد يسمع أصواتهن من خجلهن…و أخريات كن يتحدثن معه بحديث باهت لا معنى له سوى أنهن يوافقن على الزواج لأنه المفروض أن يحدث….كان يطلب أن يتحدث معهن عبر الهاتف، فيتم رفض طلبه بشراسة…كيف سيحب؟ كيف سيحدث ذلك الحريق؟ كيف ستحدث تلك الشرارة؟ هل يستسلم لزواج مبني على الشكليات و اسم العائلة و مظهر الفتاة و عمرها و طولها…إلخ؟

اضطر أن يكسر قلب والدته مجددا و طلب منها التوقف عن البحث بعد أن يئس من إيجاد تلك الفتاة التي تملك قلبه…تلك الفتاة التي تثير فضوله و رغبته في أن يعرف عنها المزيد…تلك الفتاة التي تفيض أنوثة حتى و هي في قمة خجلها…تلك الفتاة التي تنبعث منها طاقة تجعله يود أن يعرفها ليحبها و يحبها ليعرفها…

و حدث ذات يوم أن وجدها…صدفة في إحدى المطاعم في جدة….في بوفيه مفتوح….سكبت عليه بعضا من الطعام بالخطأ…كان ينوي أن يعنفها بشدة على عدم انتباهها لوجود رجل طويل عريض بجانبها….لكن اعتذارها الخجول الخائف و اهتمامها بألا يغضب و…و تلك النظرات المليئة بالحنان و الاهتمام بأن لا يكون الأكل قد أحرقه…رباه….طاقة حب و أنوثة تتفجر من ذلك الكائن الصغير…لم تكن تملك ذلك الجمال الباهر و لم تكن تتكسر أو تتغنج في اعتذارها، بل بدت مهتمة حقا و كأن الاعتذار واجب محتم و كأنها أخطات خطأً فادحا لا يغتفر….كانت جادة لكن الدلال الطبيعي كان يفوح من كلماتها…كانت باختصار شديد امرأة حنون…. غمرته في دقائق معدودة بشعور لم يحسه منذ أن كان في التاسعة من عمره عندما كانت والدته تسرح له شعره في حفل زفاف أخته الكبرى…

شعر أنه أخيرا وجد ضالته…وجد منبع الحنان الصافي الذي كان يبحث عنه…وجد العفوية و الرقة … وجد الاهتمام الحقيقي من إنسانة غريبة عنه تماما….أخذ يشكرها و يطمئنها بأن كل شيء سيكون على ما يرام…و هَمّ أن يبدأ حديثا يحاول منه معرفة أي شيء عنها إلى أن قاطعهما رجل تبدو عليه علامات الاحترام و الرقي…”آسفة حبيبي …حصل حادث سخيف” قالتها بعذوبة و تلقائية مبهرة….اعتذرا له مجددا ثم أخذت بذراع زوجها كأنها تحتمي به و اختفيا في ثوانٍ …و عاد يجر أذيال عالمه الجاف بحثا عن روح تحتضنه بصدق…بحثا عن نسمة حنان تنتشله من عالم جلف ينظر للحب على أنه ضرب من المثاليات التي ينادي بها الفقراء! 

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

One thought on “خشونة!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s