التكرونية!

كانت حاملا…و كانت تحمل طفلا رضيعا فوق حَملها…و كانت أيضا تجر في يدها طفلة لا تتجاوز الثلاث سنوات…كانت تجوب الشارع في عز الحر في منتصف الظهيرة عند محطة بنزين …تشحذ القليل من الريالات لتسكت ألم الجوع و لهيب الحر الواضح على جسدها النحيل المرهق و الواضح على وجوه طفليها الهزيلين…

أعتقد أنه منظر مألوف في جدة….

رأيتها و أنا أحمل أثقالا أيضا…أثقالا من نوع آخر….أحسب حساباتي السنوية من أجل خطط حياتي…4000 لتجديد الاشتراك السنوي للنادي الرياضي….2000 أدوات تجميل…2000 ريال أخرى لعلاج تقصف الشعر من كثرة الصبغات…500 ريال هدية لقريبة على وشك الولادة…و يزداد الحمل عندما أتذكر ما عليّ فعله…ترجمة مقال لمشروعي الجديد…التفكير في حاجيات و ديكورات للمسرحية الجديدة التي أخرجها….ترتيب وقت للبحث عن أجمل الفنادق في باريس و لندن للصيف القادم….أخذ موعد مع أخصائية المساج…

تداخلت “أحمالي” و أثقالي على بعضها من كثرتها…بعضها أذكره و بعضها أنساه…أحمال قد تزداد بزيادة متطلباتي و هواياتي المتعددة….أتذمر حينا من كثرة المسؤوليات التي حمّلتُها على نفسي بنفسي بينما أنا في غنى عنها…لكنه البحث عن الجديد…و استكشاف نواحي أخرى في الحياة غير الحياة الروتينية التي يعيشها الكثيرون و الكثيرات…

صرختُ في السائق ليتوقف عند المحطة التي نسي أن يتوقف عندها ليملأ السيارة بالبنزين…شتمته “كم شتيمة محترمة” في نفسي و أنا أدعو الله أن يأتي اليوم الذي أتخلص فيه منه و أقود بنفسي…

رأيتها …في غمرة انفعالاتي الداخلية و انشغال فكري بأحمالي …أو بالأصح أحلامي التي أعطاني الله كل شيء لجعلها حقيقة…

في ذلك الحر البغيض كانت تقف …مجعدة الوجه …نحيلة….تكاد تكون امرأة مهترئة….حافية إلا من قطعة جلد تحت قدميها….ربما لم تتجاوز الثلاثين لكنها تبدو و كأنها في الستين…ترى أين زوجها؟ أين من جعلها تحمل حمل و هَم هؤلاء الثلاثة؟ أي امرأة تحب و تتزوج و تحمل و تلد في مثل هذه الظروف و هي بمثل هذا المظهر؟ هل حملها و أمومتها نوع من الحرب من أجل البقاء أم حب و رغبة حقيقية؟ كيف يمكن لامرأة أن تعيش هكذا على هامش الحياة بدون حيوية و جمال و زينة؟

أفكر فيها و في ظروفها كأنها من عالمي…فرضتُ عليها_لا شعوريا_ طريقة تفكيري و أسلوب حياتي!

تحت لهيب الشمس …اقتربت من السيارة…و أشارت لي إلى رضيعها الذي على يدها…”حليب”…لم تتحدث كثيرا أو تدعو كثيرا مثل الشحاذات الأخريات…قالت كلمتها بصوت خافت يدل على أنها لا تقوى على الكلام…أنا أفكر في الحب و الأنوثة و هي همها الأكبر و الوحيد “حليب”!

مرت حياتي أمامي كضوء باهت…مرت أحمالي و همومي و أثقالي مثل ذرات رملية سخيفة مزعجة…لا قيمة لها و لا معنى…

أنا أعيش في النعيم لكن أتطلع للمزيد…دوما للمزيد….و عندما يأتي المزيد، أخلق مزيدا من نوع جديد…فقط لأني إنسانة ملولة و حيوية و متعددة المواهب و نشطة و ناشطة …إلخ…هكذا أتباهي بنفسي أمام نفسي و الآخرين…

أعيش فلسفاتي و أبالغ في تنميقها و أدعي تطبيقها في حياتي…و أفخر بنفسي لأني “مؤثرة” كما أظن…أقضي وقتي مع زوجي و أبنائي ..يتجاذبون الحديث و الضحكات و هم في أتم الصحة و العافية…تزعجني أصواتهم العالية أحيانا خصوصا عندما تأتيني فكرة لمقال ما….أتضايق من صوت البلاي ستيشن العالي فأهرع لسماعاتي و تشغيل موسيقاي المفضلة حتى لا أسمع ضجيج الأولاد و تجشيعهم لكرة القدم…أتصل على زوجي و أنا عائدة من عملي: “ما فيا أطبخ اليوم” و يرد بطيب نفس: “براحتك حبيبتي…إيش أجيب معايا؟” …أذهب إلى مدرسة ابنتي فيرحبون بي كل ترحيب لأني والدة الطالبة المثالية المجتهدة و يمطروني بسيل من المديح و الثناء على ذكاء ابنتي و على حسن تربيتي…

ثم في لحظة….انسى ذلك كله و أقول “أوووووف! حياة بائسة تلك التي أعيشها! أبغى أسافر و أعيش في لندن!”

دار شريط حياتي و همومي السخيفة أمامي في لحظات….

أعطيتها ما أظن أنه يكفيها…أعيطتها ما أظنه كرما مني و هو لا يساوي و لا 1% مما لديّ!

لكنها هي…تلك الحجة التكرونية….أعطتني أكثر بكثير!

 

الحمد لله الذي أوصلني لمعنى السعادة!

ربِ اغفر لي جهلي و إسرافي و ترَفي!

*التكرونية كلمة باللهجة الحجازية تعني المرأة الإفريقية التي غالبا ما تُشاهَد و هي تفترش الأرض لبيع العلكة و بعض المأكولات الشعبية البسيطة.

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

4 thoughts on “التكرونية!

  1. كم نلمس من نعمٍ ولا نستشعرها..
    وكم تبدو آلامنا تافهة أمام قوة امرأة تصلبت تحت الشمس بحثًا عمّا يبقيها على قيد الحياة فقط..
    قرائتكِ لمشهدٍ عابرٍ قد نمر به يوميًّا بطريقة ملهمة متأملة ..
    هكذا نتعلم من كل ما حولنا ..

  2. أحيانا أفكر، هل نستحق ما نملك؟ هل شكرناه بما يكفي؟ هل نستطيع شكره بما يكفي أصلا؟
    رؤية الطبقة الكادحة تذكرني دائما، كنت سأكون من ضمنهم لولا معجزة ما، لولا لطفه، لذا لا تسرفي.
    ولست أسرف! صرت أضيق على نفسي. حتى عندما أكسر القاعدة واشتري ما أظنه قد يمتعني أتذكرهم!
    تقف لقمة الكعك في المنتصف، ابتلعها بصعوبة عند رؤية أحدهم. فقدت كل أشكال الاستمتاع، على الأقل، في معظم الأحيان.
    يحب الله رؤية آثار نعمه على عبده، أبرر لنفسي، لكن ليس الإسراف! ولست أعرف ما هو حد الإسراف حتى، لكنني متأكدة من أنني لا أفعل.

    رؤيتهم نعمة، لأنها تذكرنا بشكره، لكن بالنسبة إلي، رؤيتهم مأساة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s