تسامُح

ها قد انتهى العام الهجري بحلو أحداثه و مرها…بتحدياته و عذوبته…و لم يبق منه سوى الذكريات…و مع نهاية العام يتطلع الجميع للعام الجديد بأمنيات و آمال، و يتبادلون التهاني و التبريكات …و يكاد “الواتس آب” لا يهدأ من كثرة التهاني و الأدعية بمناسبة العام الجديد…

إلا أن رسالة واحدة دوما تلفت نظري في مناسبة كهذه…رسالة التسامح…كثيرون يرسلون ما يفيد بأنهم سامحوا من ظلمهم و من اعتدى عليهم…إلخ من هذه الجمل و العبارات….و أتساءل…هل حقا نعرف معنى التسامح؟ هل ندرك مفهوم تنقية القلوب من الضغائن و الكره و الأحقاد و الحسد؟

كلنا نمر بمواقف مشابهة…هناك من يسيء إلينا بكلمات جارحة أو بتصرفات مهينة…و هناك من ليس له شغل سوى الكلام عنا بالسوء و التسلي باغتيابنا بما فينا أو بما ليس فينا….

ثم نقرأ تلك الرسائل و الأدعية التي تحث على التسامح و توضح أهميته و جماله، فنمر عليها مرور الكرام…نتأمل جمال العبارات …نتطلع للأدعية بخشوع مؤقت…ثم ما نلبث أن نغرق في أشغالنا اليومية و لا نكاد نطبق شيئا من مباديء التسامح و الحِلم و إيجاد الأعذار للآخرين….

لماذا يا ترى؟

أعتقد لأن التسامح أمر صعب جدا خصوصا عندما يتعلق الأمر بمن أساؤوا لنا بدون سبب واضح…تصعب على النفس البشرية قبول الأساءة و الإهانة بسبب أو بدون سبب….يشق على المرء أن تًهان كرامته ثم يعفو و يسامح….هذا طبيعي جدا….

لكن للأمر جانب آخر….قد نتحدث كثيرا عن التسامح لكن لا يدرك جماله و قيمته إلا من جربه…

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

لَمّا عفوتُ و لم أحقد على أحد **** أرحتُ نفسي من هَمِّ العداواتِ
إني أُحَييِّ عدويِّ عند رؤيتِهِ **** أدفعُ الشرَّ عني بالتحياتِ
و أُظهِرَ البِشرَ للإنسانِ أبغَضُهُ **** كما أنَّ قد حشى قلبي محَبَّاتِ 
الناسُ داءٌ و دواءُ الناسِ قُرْبُهُمُ **** و في اعتزالهم قطعُ الموداتِ 

يا لهذا الجمال الروحي! يا لهذه العذوبة التي تستقر في القلب و تلازمه! يا لهذه الراحة النفسية التي نتمناها جميعاً!

و لكن كيف نصل لهذه الدرجة العالية في الأخلاق و في مسامحة من ظلمنا أو أساء إلينا؟

في البداية لابد أن ندرك جيدا أن التسامح لا يعني المذلة و الضعف…لابد أن نعي جيدا أن الإنسان المتسامح أقوى و أعلى منزلة ممن ظلمه أو اعتدى عليه…الإنسان المتسامح لم يصل لهذه الدرجة من الصفح و العفو إلا لأنه “قادر” على ذلك و القدرة قوة و رقي و علو!

قد يبدو هذا كلاما نظريا و مثالياً…لكن المسألة لا تتوقف هنا…

ماذا يعني أن أكون أقوى و أعلى و أرقى بتسامحي (عملياً)؟

يعني أنني أزلت من عقلي و قلبي كل كره و حقد قد يعيقني عن مواصلة حياتي بسعادة ….يعني أنني قد أوقفت المعتدي عند حده بعدم ردي على إساءته بإساءةٍ مماثلة…التسامح يعني أنني لم أدخل في مهاترات مع من اعتدى عليّ، بل مضيتُ في طريقي لأسعد نفسي و أسرتي و لأحب من يحبونني أكثر…التسامح يعني أن عقلي قد خلا من التفكير في شخص قد أساء إليّ بالغيبة أو بالسباب أو بالسخرية…التسامح يعني أن أمضي لتحقيق أهدافي…التسامح يعني أن أحيا لإرضاء الله بعبادته و جعل قلبي خالصا له نقيا مما قد يقف بيني و بينه من شوائب الكره و الغل و الظلم… التسامح يعني أن أعطي العباد حقوقهم و أن أنجز في عملي و اتقنه كما أمرنا الله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم…

و قد قيل عن التسامح: “هو أن تري نور الله في كل من حولك مهما يكن سلوكهم معك. وهو أقوى علاج علي الإطلاق. إن القرار بعدم التسامح هو قرار المعاناة، كما أن قوة الحب والتسامح في حياتنا يمكن أن تصنع المعجزات”

التسامح يعني أن لا ينشغل تفكيري بإساءات العباد عن رحمة و حِلم و محبة رب العباد!

هكذا أرتقي و أعلو و أسمو …هكذا أكون أفضل ممن ظلمني …بحبي لله تعالى و بانشغالي برضا الله و بانشغالي بتقويم نفسي و تنقية قلبي…

إنه تدريب قلبي – ذهني ليس سهلا أبدا، لكنه ممكن بالصبر و المثابرة و الاستمرار…أن أجعل هدفي الله و ليس الناس…أن أجعل من أساء إليّ وسيلة للصبر و الاحتساب و بالتالي و سيلة للتقرب إلى الله!

نعم! استخدم من يسيء إليك بدل أن تجعله يستخدمك! استخدم تلك الإساءة لصالحك….اجعل عفوك عن إساءة شخص ما إليك وسيلة لتجعلك أكثر استغفارا و دعاءً و حباً و رحمةً …

و تذكر دئما أن الشخص المسيء إليك لا يمكن أن يكون رائعاً خلوقاً …لأن الرائعين منشغلون بالعمل عن الكلام…لأن الرائعين أصحاب الخلق الدمث منشغلون دوما عن الكلام على الآخرين بالعمل على إسعاد من حولهم!

تذكر دائما أنك أعلى و أفضل ممن يسيء إليك…و لو كنتَ أقل منه لما تطاول عليك…فالمميزون دوما يجدون من يحاول تحطيمهم أو التقليل من شأنهم…و تذكر أيضا أن الإنسان الخلوق المميز يمضي في طريقه قدما و لا يتوقف عند تفاهة و مرض المسيئين له…

عندما يسيء إليك إنسان، فأنت أمام خيارين…إما أن ترد الإساءة بالإساءة و تدخل في معركة لا نهاية لها و تعيش في قلق و ضغينة و تفكير في ذلك الشخص و كيف ترد عليه و كيف تنتقم منه….و إما أن توقفه عند حده بأدب و حزم و تشفق عليه و تنظر للظروف التي دعته لأذيتك، ثم تمضي في طريقك لتحقيق أهدافك و لا تجعل ذلك الشخص يشغل حيزا من تفكيرك….و هذه هي راحة البال و هذا هو ثواب التسامح و العفو في الدينا…راحة البال و الانشغال بالله و بالعمل النافع بدل الانشغال بالآخرين!

و في القرآن الكثير من الآيات التي تدعو للتسامح و العفو و الصفح، بل و ربط تلك القيم الإنسانية بدرجة الإحسان التي تعد أعلى مراتب الدين. و لا ننسى فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو خير قدوة في التسامح مع أعدائه…فكم تطاولوا عليه بالإهانات و السباب و لم يرد عليهم بالمثل رغم أنه قادر على ذلك، بل مضى في تحقيق رسالته و نشر نور الإسلام الذي يدعو في جوهره للرحمة و التسامح…ذلك الدين العظيم الذي لا يدعو فقط إلى التسامح فيما يتعلق بالأمور الشخصية بين المسلم و أخيه، بل في تقبل الاختلافات الفكرية و الدينية، فلا إكراه في الدين و لا غلظة أو تعصب في الدعوة إلى الله، بل دعوة بالحسنى و دعاء للمسيئين بالهداية.

للتسامح طاقة إيجابية تجعنا أكثر سعادة و راحة، فلا تجعل طاقة الانتقام السلبية تسيطر عليك…عِش حياتك لرضا الله و لا تؤذ خلق الله، و دع عنك أمر من يسيء إليك إلى الله، فهو يسيء إلى نفسه في المقام الأول و لا يضرك بشيء و كما قال الشاعر الترمانيني، “كن كالنخيلِ عن الأحقادِ مرتفعا…يُؤذَى برجمٍ فيعطي خير أثمارٍ”

و أسأل الله مع بداية هذا العام أن يجعلنا من المتسامحين العافين عن الناس و أن يجعل نقاء و صفاء القلوب نهج حياتنا تترجمه أقوالنا و أفعالنا. و كل عام و أنتم بخير و محبة و تسامح.

 

حكمة أخيرة:


“عظمة الرجال تقاس بمدى استعدادهم للعفو والتسامح عن الذين أساءوا إليهم.” تولستوي

 

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s