بما يتوافق مع طبيعة المرأة!

 

ربما كانت ولا تزال أكثر عبارة تتردد و تتكرر في لوائح و تصريحات وزارة التربية و التعليم هي عبارة “بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية السمحة و بما يتوافق مع طبيعة المرأة”!

إلا أن المثير للسخرية و الألم معا هو أن أكثر شيء تضرب به الوزارة عرض الحائط هو الشريعة السمحة و طبيعة المرأة!

 

فمثلا ما هو وجه “السماحة” في تغريب و تهجير المعلمات؟ أين تطبيق الشرع في إبعاد المرأة عن زوجها بحيث لا تستطيع أن تؤدي حقوقه و تحصل على حقوقها عندما تعيش في مدينة و هو في مدينة أخرى!

يبدو أن الحقوق و الواجبات في عرف الوزارة تتم بالمراسلة …طبعا نحن متطورين و كل شي ممكن أن يحدث بالتكنولوجيا!

 

و لا أدري كيف تتفق إجازة الوضع (التي لا تتجاوز الست أسابيع بعد الولادة) مع طبيعة المرأة و حاجاتها النفسية و الصحية و العاطفية للبقاء مع مولودها حتى يشتد عوده و يقترب من مرحلة الفطام؟

و هل تتفق تلك الإجازة القصيرة جدا مع تعاليم الاسلام التي تحث على حسن تربية و رعاية الطفل؟

 

يبدو أن الوزارة لا تعرف شيئا عن تعاليم الإسلام الا فيما يختص بموضوع الاختلاط و وضع العباءة على الرأس، فهنا يصبح تطبيق الشرع واجبا و مخالفته فسادا و معصية. أما هدم الاسرة و تشتيتها و رمي مسؤولية الاطفال على الخادمات فهو لا يسبب أي فساد في المجتمع و ليس له عواقب أخلاقية أو نفسية أو تربوية.

و من ناحية أخرى فإن المادة (159) في قانون العمل و العمال السعودي تنص على التالي:

“على كل صاحب عمل يشغل 50 عاملة فأكثر أن يهيئ مكاناً مناسباً يتوافر فيه العدد الكافي من المربيات، لرعاية أطفال العاملات الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات، وذلك إذا بلغ عدد الأطفال عشرة فأكثر.

و مع إيماني بأن هذا القانون ليس منصفا تماما في حق الـ “49” موظفة إلا أن تطبيقه سيكون بداية جيدة و حل ممتاز يريح الكثير من الأسر من مشاكل هي في غنىً عنها.

و لكني لا زلت أستغرب من مخالفة وزارة التربية و التعليم ليس للشرع فقط، بل لقانون العمل أيضا حسب ما جاء في المادة المذكورة أعلاه، و هذا يدعوني للتساؤل: أين التنسيق و المتابعة و المراقبة ما بين قانون العمل و الوزارة؟ و هل هناك عقوبات على المؤسسات أو المدارس التي لا تطبق هذا النظام؟

و لماذا تضع الوزارة أمام المرأة خيارين أحلاهما مر: إما ان تتركي العمل لتصبحي زوجة افضل و أم مسؤولة (و تتحملي ضنك العيش في ظل غلاء المعيشة و عدم توفر السكن بأسعار مناسبة) و إما أن تحتفظي بالوظيفة و ما تدره من دخل و تخالفي أنوثتك و أمومتك بما يتفق مع قوانين الظلم و غياب الاهتمام “بالإنسان”؟

 

ربما تلك وسيلة بعض مَن في الوزارة للضغط على المرأة للعودة للبيت بطريقة إجبارية غير مباشرة.

و ربما تحتاج الوزارة إلى “تالا” ثانية و ثالثة و عاشرة لا سمح الله حتى تستفيق و تستوعب أن المرأة السعودية لن تتخلى عن حقها في العمل و لا عن حقها الأساسي في أن تكون لديها إجازة أمومة كافية بالإضافة إلى حضانة راقية نظيفة في كل مؤسسة تعليمية و غير تعليمية تعمل فيها.
ألا تكفي كل حوادث القتل على أيدي الخادمات حتى ننظر في الأمر؟

ربما تحتاج الوزارة أن تسمع قصص التحرش الجنسي التي تحدث من قبل الخادمات،  فالقتل ليس الجريمة البشعة الوحيدة التي يمكن أن تفعلها الخادمات في أطفالنا!

 

للأسف نحن في مجتمع تحثنا تركيبته و ثقافته على أن نكون أسوأ أمهات و أسوأ عاملات، فلا نحن ركزنا على العمل و أبدعنا فيه و نحن مطمئنات على أولادنا و أزواجنا و بيوتنا و لا نحن أولينا بيوتنا و أسرنا الاهتمام الكافي.

و بالتالي أصبح مجتمعنا غير منتج من الناحية المهنية و غير موفق من الناحية الأسرية.

و إن كان هناك ناجحات و موفقات في الناحتين الأسرية و المهنية، فذلك بفضل الله ثم بفضل جهودهن الفردية الجبارة و تعاون أزواجهن و أمهاتهن و ليس لأي وزارة أو قانون الفضل في ذلك.

 

إن حصول المرأة على إجازة أمومة لمدة سنة مدفوعة الأجر كاملا و سنة أخرى بنصف أجر ليس مِنّة و لا كرما من الوزارة، بل حق طبيعي لها أسوة بنساء العالم في الدول المتقدمة، و الأهم من ذلك أنه حق طبيعي لها كأم و امرأة مسلمة. و لننظر إلى تجربة فرنسا و السويد و غيرهما من الدول الأوروبية التي تحرص كل الحرص على راحة موظفاتها و تعي أهمية الخمس سنوات الأولى في حياة الطفل التي تتشكل فيها شخصيته و التي يكون أمس الحاجة فيها لأمه.

إن توفير وزارة العمل حضانات راقية و نظيفة تعمل بها موظفات مؤهلات ليس ترفا و لا رفاهية، بل واجب على الوزارة إذا كانت تحرص حقا على احترافية و مهنية الموظفات سواء كن يعملن في قطاع التعليم أو غيره و سواء كنّ يعملن في القطاع العام أم الخاص. و يمكن لوزارة العمل التنسيق مع الجهات الأخرى و صياغة قانون بطريقة مقننة تعطي للأم العاملة حقوقها و في نفس الوقت تمنعها من التحايل و استغلال تلك الإجازات بحجة الحمل و الولادة.

من حق أي امرأة أن يكون لديها خيارات مختلفة تجعلها تعمل و تنتج و هي آمنة و مطمئنة على نفسها و أطفالها.

من حق أي امرأة العمل و الأمومة معا و أن لا يتم تخييرها بين الأمرين و هذا يتطلب تعاونا و تفهما و تنسيقا بين جميع الجهات المعنية بتوظيف و تمكين المرأة، فإن دعم المرأة و تمكينها لا يعني فقط حثها على العمل و المشاركة في المجتمع، بل يعني توفير البيئة المناسبة لها للتصالح مع ذاتها كأم و امرأة عاملة منتجة لتعطي أفضل ما عندها في المجالين بدون إحساس بالذنب أو الخوف أو التقصير.

 

 

 

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

One thought on “بما يتوافق مع طبيعة المرأة!

  1. رائع جدا وفعلا أحيانا أقول هل هدفهم هوالضغط على المرأه حتى تستقيل او تفشل في عملها وبيتها او تموت ثم بعدها ثيقال المرأه ضعيفه لاتصلح لعمل لذلك لنمنع المرأة عن الخروج والعمل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s