ماري أنطوانيت بيننا!

“إذا لم يجدوا الخبز، فليأكلوا الجاتوه”
كلنا نعرف تلك العبارة الشهيرة على لسان ماري انطوانيت زوجة ملك فرنسا لويس السادس عشر والتي يقال أنها قالتها عن الفقراء، و الحقيقة أنه لا يوجد تاريخيا ما يثبت أن ماري هي صاحبة العبارة لأن معظم الوثائق عنها تؤكد أنها لم تكن على علم بأي شيء يتعلق بالشعب ولم تكن لتهتم حتى تعلق على حالهم! لكن المغزى من المقولة الشهيرة _سواء كانت قالتها أو لم تقلها_ واضح، فهي عبارة يتجلى فيها الفكر الطبقي و يتجسد فيها تفكير أصحاب رؤوس الأموال المليارية.

و صدقوا أو لا تصدقوا أنني قبل عدة سنوات قابلت إحدى “سيدات المجتمع” المخملي وصادف لقائي بها وقت أزمة ارتفاع أسعار الأرز. وبينما كنتُ أناقش وضع “الغلابا” الذين تؤثر حفنة ريالات على ميزانيتهم ، وجدت سيدة المجتمع العظيمة تقول بمنتهى الاستهتار: بدو! ما يقدرون يعيشون من غير رز! و مايعرفون إنه الرز يسبب السكر! جهلة ما يعرفون إنه الرز له بدائل كثيرة …قمح أورجانيك و كينوا و شوفان!”
طبعا فغرتُ فاهي فغرة لن أنساها و أنا أسمع كلمة “كينوا” و خجلت أن أسألها عن تهجئة الكلمة حتى أبحث عنها على الإنترنت لأنه طال عمرها لم توضح لي ما هي الكينوا وتوقعت أن الجميع يعرفونها مثلها إلى أن اكتشفتُ قبل عام تقريبا أن الكينوا ما هي إلا نوع من الحبوب التي تزرع في تشيلي و بعض المناطق الاستوائية و يباع النصف كيلو منها في جدة بحوالي 53 ريال! أما حبوب القمح “الأورجانيك” فهي تباع في أبازير في جدة و ما أدراك ما أسعار أبازير! خلاصة القول أن ماري أنطوانيت “السعودية” تلك تحتقر أي أحد يأكل أرز و تضع حلولا بديلة “رهيبة” لمن لا يريدون أن يموتوا بجلطة الأسعار المرتفعة أو بمرض السكر!

ما علينا…فقد اعتدنا على ارتفاع أسعار كل شيء ابتداء من الأكل إلى الأدوية إلى رسوم المدارس و الخدمات الرديئة التي تكلفنا فواتير باهظة…لكن مربط الفرس “الخانق” هنا هو أن نموذج ماري انطوانيت هذه ليس نموذجا نادرا، بل نموذجاً متكررا إلى حد ما بين أبناء و بنات الطبقة الغنية جدا والتي تجد صعوبة شديدة في أن تخدم نفسها فضلا عن أن تخدم مجتمعها، فالبعض و ليس الجميع من أبناء الطبقة المرفهة لديهم عمى بصر و بصيرة عن رؤية واقع الفقراء الذين يعيشون معهم في نفس المجتمع و بعض هؤلاء يؤمنون أن الفقير هو المتسبب (الوحيد) في فقره لأنه لم يعمل كما يجب في حين أن هذا المرفه لا يعرف حتى أن يكتب تقريرا بسيطا و لو تركت له العمل في شركته التي يملكها أبوه لغرق في شبر من الأوراق و الملفات و لأعلنت إمبراطورية والده العريقة إفلاسها بين ليلة وضحاها…إلا أذا وظَف خبيرا أجنبيا بالطبع!
و بمناسبة الحديث عن ماري انطوانيت الفرنسية، فإن قصر ڤرساي في باريس الذي كان خاصا بملوك فرنسا في القرن السادس عشر إلى القرن السابع عشر تبلغ مساحة واجهته فقط 80 مترا و تبلغ مساحة حديقته حوالي 80 هكتارا…مساحة لا يمكن تخيلها و لا يمكن حتى إدراكها…إنه مدينة في وسط مدينة وفيه من الذهب و الأثاث و الخيرات ما كان يكفي لإطعام شعب فرنسا بأكمله في زمن كانوا يعانون فيه الأمرين من الفقر و المرض و الظلم!
المهم…كل ذلك تغير اليوم، فالقصر الباذخ الفاحش و الذي كان رمزا لقوة ملوك فرنسا وكان رمزاً للنظام الملكي المطلق و الذي كان ولا يزال رمزا للترف الخيالي أصبح اليوم معلَماً و “مَزاراً” للسياح من فرنسا و خارجها…أو بعبارة أخرى أصبح مزارا لكل من هب و دب و أصبح حديقة جميلة يلعب فيها الأطفال و يتناول فيها الكبار وجبات سريعة خفيفة و هم يتمتعون بجمال الحدائق بدون تكلفة كبيرة….و سبحان مالك الملك و مغير الأحوال، فلا شيء يبقى على حاله، فماري انطوانيت و زوجها الملك أطاحت برأسيهما ثورة الجياع رغم كل السُلطة والنفوذ التي كانا يملكانها، فللظلم حدود ولا عز أو جاه يدوم!

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s