مواجهة مع الموت

نرتكب الكثير من الأخطاء السخيف منها و العظيم … و نقترف السيئات الصغير و الكبير منها…نضيع أحيانا عن جادة الصواب….نخطيء في حق أنفسنا و في حقوق الآخرين…تضيع وجهات نظرنا و رؤانا في ظل التخبط و الأسى من حولنا…نحب أشخاصا لا يستحقون…نركز جهودنا و طاقاتنا على أمور تجلب لنا الألم أكثر من السعادة…نتجاهل بحماقة و جهل الأشخاص الذين يهتمون لأمرنا فعلا…نعطي وقتا أقل لمن يحتاجوننا…نكافح بشتى الطرق لزيادة دخلنا المادي وزيادة أرصدتنا في البنوك لنقتني المزيد من الأشياء…

لكننا وسط ذلك كله لا نشعر بالسعادة غالبا…وأحيانا نعيش في منطقة “اللا شعور”…لا سعادة و لا حزن…لا تقدير لمعنى الحياة و لا ألم…حالة تبلد عامة تصيبنا لكننا نقنع أنفسنا أننا بخير لمجرد أننا لا نتألم!

و فجأة…يحدث ما لا نتوقعه…نستفيق على صفعة أو صدمة …على قضاء و قدر ليس بيدنا تغييره أبدا…نصطدم مع الموت وجها لوجه…يأخذ منا أعز و أغلى من نحب و ندرك أن لا شيء في هذه الحياة له أي قيمة أو معنى بدون من نحب…ندرك أن الحياة التي كنا نحياها لم تكن إلا حياة خالية من الجودة و المعنى و القيمة…مجرد دوامة تعتصرنا بسرعة كل يوم لنعود و نلقي أنفسنا فيها كل يوم بدون إحساس كامل أو وعي حقيقي بما فيها من جمال وحب.

كانت وفاة والدي رحمه الله أول مواجهة لي مع الموت… مع حقيقة من الحقائق النادرة التي يتفق عليها البشر بمختلف معتقداتهم ودياناتهم. آخر مرة رأيت فيها والدي غفر الله له كانت قبل 4 أيام من وفاته…لم يكن مريضا و لا عاجزا..كان كما عرفته دائما…مرحا سعيدا يشع النور و السماحة من وجهه…كان متحمسا وهو يتحدث عن ألوان الستائر التي يريد اختياراها للبيت الجديد الذي اشتراه…وكان يتحدث بفرح عن أدوات المطبخ الجديدة التي اشتراها…لكني لم أبادله حماسة بحماس …كنتُ أتحدث معه و أرد عليه باختصار و بمنتهى البرود و التبلد لأني كنتُ مرهقة جدا يومها، فقد مر عليّ أسبوع حافل و شاق في العمل….أمضينا أربع ساعات سويا لكني لم أنظر إلى وجهه و عينيه جيدا…لم أكن موجودة بقلبي و عقلي…فقط بجسدي…لم تكن فيّ أي حياة في ذلك اليوم الأخير الذي رأيته فيه…و لكنه رحمه الله كان ينظر إليّ يومها بنظرة حب يشوبها الحزن…كنتُ مرهقة جدا ذلك اليوم لأحلل و أفسر تلك النظرة….لم أستوعب معنى تلك النظرة العميقة المطولة إلا بعد وفاته…و كأنها كانت نظرة وداع….عندما أسترجع تفاصيل ذلك اللقاء الأخير، كم أكره نفسي و أؤنبها كثيرا….حتى “مع السلامة” قلتها له على عجل و بدون إحساس…و ربما بإحساس إنسانة غبية تظن أن اللقاء التالي مضمون و قادم لا محالة! كنتُ أعتقد أنه سيعيش ليصل للخامسة و الثمانين مثل والده و والدته رحمهما الله…كنتُ في قرارة نفسي أؤمن أنه طالما لا يشكو من أي مرض و طالما أنه حريص على المحافظة على صحته أنه سيعيش طويلا…كان لدي اطمئنان ساذج في غير محله…كنتُ أعتقد أنه سيعيش طالما أنني أحتاجه و أنه سيعيش حتى يأتي اليوم الذي أخبره بحبي العميق له و بتقديري العظيم له…كنتُ أظن أن أولئك الذين نسمع أنهم ماتوا، قد ماتوا لأنهم لم يهتموا بصحتهم…لأنهم كانوا مرضى…كنتُ أظن أن الموت لن يأتينا إلا “بعد عمر طويل” وكنتُ أظن أن الموت أمر يحدث حولنا…يحدث للآخرين فقط…أما نحن ..فسوف يأتي فيما بعد عندما نكون مستعدون له…ولكن إرادة الله لا تسير وفق توقعاتنا و أمنياتنا!

و اليوم بعد حوالي 10 أشهر من وفاة والدي، أجد أني اختلفتُ كثيرا…لم أصبح كئيبة و حزينة و منغلقة على نفسي كما قد يتوقع الكثيرون، و لكني أصبحتُ أكثر و عياً و إدراكاً لمعنى الحياة! الموت جعلني أدرك أنني أضعتُ جُل وقتي وحياتي بدون أن أقف على تفاصيل الحياة و على جمالها…بدون أن أتوقف كما يجب عند الأشخاص الذين يستحقون وقتي و اهتمامي… كل شيء كنتُ أمر عليه مرور الكرام باستثناء الحزن والفرح….لم أكن أعطِ التفاصيل الجميلة اهتماما كبيرا ربما لأني كنتُ أعتقد أنها من المسلّمات “الدائمة” التي أستطيع الاستمتاع بها وقتما أشاء…إلا أنني عندما كنتُ أغضب، كنتُ أغضب بحدة و انفعال شديد وكأن القيامة قامت…و عندما كنتُ افرح، كنتُ أفرح بغرور وكأني ملكتُ الكون…كنتُ أتضايق وأنفعل أحيانا بسبب أمور تافهة…و أحيانا كنتُ لا أبالي بالنعم التي لديّ و لا أثمنها كما تستحق…

موت والدي رحمه الله جعلني أدرك أن لا قيمة للإنسان في هذه الحياة إلا بأخلاقه و تصرفاته…نعم أعرف أن هذا الكلام مكرر و نسمعه دائما…لكني أقوله بإدراك و وعي جديد…والدي رحمه الله كان يعمل محاضرا في كلية إعداد المعلمين و قد تقاعد قبل حوالي عشر سنوات من وفاته…طوال حياته كان رمزا للتفاني والإخلاص و النشاط في العمل…ظل رئيسا لقسمه بضعة سنوات ثم أصبح رئيسا لقسم النشاط لعدة سنوات….لكن عند موته، لم يقل أحد “كان رئيس قسم ناجح رحمه الله! أو كان يعمل كثيرا رحمه الله!” بل قالوا “كان نِعم الرجل الخلوق رحمه الله…كان دمث الخلق…كان طيباً كريماً متسامحاً…كانت الابتسامة لا تفارق وجهه!”

dad
ياااه! كل تلك السنوات من العمل والعطاء لم يتذكرها أحد لكنهم تذكروا ابتسامته و حسن تعامله معهم! كل تلك السنوات من العمل غرقت في غياهب الذاكرة إلا الابتسامة و الخلق الحسن! كيف يتذكر الغرباء عن والدي كل تلك التفاصيل الجميلة و أنا كنتُ اعتبرها من المسلّمات العادية؟! شهادات الأحياء في الأموات لها دلالات تستحق الوقوف عندها ملياً! عندما يُجمع كل من يعرف شخصا ما بأنه كان طيبا و رمزا للخلق الحسن، فإن ذلك لا يعني شيئا سوى أن نركز على الأشياء التي تبقى و تدوم…ماذا يعني أن تكون كاتبا مشهورا مقابل أن تكون إنسانا مشهورا بالطيبة و الخلق الحسن؟ ماذا يعني أن يقترن اسمك بالفن و الإعلام مقابل أن يقترن اسمك بالإنسانية و الأخلاق والعطاء؟ ماذا يعني أن يذكرك العالم كله لأعمالك العظيمة بينما أبناؤك لا يذكرون سوى أنك كنتَ بعيدا عنهم طوال حياتك؟

مؤلم جدا هذا الشعور…أعرف أن الكثير قد يعترض على كلامي و لكنها رؤية مختلفة للحياة توصلتُ لها بعد وفاة والدي، فلا نجاح يساوي شيئا مثل الحب و الأسرة! و لا يعني هذا أن لا نعمل ولا نسعى لتحقيق طموحاتنا، لكن ما أعنيه هو أن يكون سعينا لتحقيق طموحاتنا المهنية معتدلا عاقلا بدون أن يكون على حساب علاقاتنا الإنسانية التي هي أثمن ما نملك و أثمن ما يمكن أن نخسره لا قدر الله.

بعد وفاة والدي بثلاث أشهر تقريبا، تحقق حلمي و نُشر كتابي الأول….كان حلما عملتُ عليه لسنوات و كنتُ أنتظره لسنوات لكنه تعثر بسبب بعض الظروف…كان والدي رحمه الله ينتظره بفارغ الصبر أيضاً…لكن الموت كان أسرع…و صدر الكتاب لكن فرحتي به لم تكُ شيئا يُذكر…كانت فرحة باردة ناقصة تشوبها غصة لأنه لم يكن موجودا ليشهد تحقيق حلمي…أتذكر كم كان فخورا بي…كان يصر و يلح علي لأنشر قصائدي…كم كان يسألني كل يوم عن التطورات التي حدثت في إجراءات النشر…كم كان فرحا عندما رأى تصميم الغلاف….

لكن كل ذلك تبخر بدون رجعة بعد وفاته…ما الانجاز بدون أن نشاركه من نحب؟ ما قيمة أي نجاح بدون أن يكون هناك من يفرح معنا به؟ فرحة من القلب بدون حسد أو غيرة…و من يمكن أن يفرح تلك الفرحة الصافية معنا مثل الوالدين و الأبناء و الأزواج؟

لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن الكتاب الذي كان يحثني والدي باستمرار على نشره …أن ذلك الكتاب سيحمل إهداء لروحه وقصيدة تنعيه!

كم هي قصيرة تافهة هذه الحياة! كل أفراحنا و أحزاننا فيها تبدو تافهة مقارنة بفقدان شخص غالٍ على قلوبنا…

بعد وفاة والدي و بعد صدور كتابي، حققتُ حلما آخر من آحلامي ألا وهو إخراج مسرحية سيدتي الجميلة و التي استمر العمل عليها حوالي 5 أشهر…كانت حلما آخر قد تحقق…سعيت لتحقيقه بعد وفاة والدي لأثبت لنفسي أني لا أزال على قيد الحياة وبأن حزني العميق ليس عائقا لأحقق أي شيء…لكن فرحتي بتحقيق هذا الحلم الكبير المرهق كانت فرحة عادية ليس لأن النجاح لم يكن يستحق فرحة كبرى، بل لأن أولوياتي اختلفت كثيرا…كانت فرحتي بنجاح ابنتي ريم والذي تحقق بعد نجاح المسرحية، كانت فرحتي بنجاحها بتفوق أكبر بكثير من فرحتي بنجاحي و تحقيق أحد أكبر أحلامي! سبحان الله! كيف يتغير الإنسان! لكنه تغير في الأولويات كما قلت…تغير في مفهومي للفرحة التي تبقى و الفرحة التي تغوص عميقا في القلب فتجعله ينبعث نورا وطاقة إيجابية…

لا أزال أسعى لتحقيق طموحاتٍ أخرى كثيرة و أعمل الآن على كتابي الثاني…لكنها طموحات في يدي و ليست في قلبي…

بعد وفاة والدي أدركتُ بكل ألم أنني طوال حياته رحمه الله لم أقدم له شيئا واحدا خاصا به…لم أسعى لإسعاده…كنتُ مكتفية بدور الابنة المطيعة الناجحة…و كأن طاعتي ونجاحي كان معروفا أقدمه له! لم أسعً يوماً لأقدم له شيئا مميزا يسعده كأب…كانت حياته رحمه الله تدور حول إسعادنا أنا ووالدتي و إخوتي…دللني كثيرا جدا و أسعدني كثيرا …قدّم لي الكثير الكثير الذي لا أحصيه و لم أقدم له سوى “شكرا بابا!” كم كنتُ مقصرة! حتى الوقت… كنتُ “أتمكرم” به عليه متعللة طوال الوقت بانشغالي في العمل أو بإرهاقي بسبب العمل!

فقدتُ إنساناً عظيماً لم أكن أشعر بروعته لأني كنتُ أظن وجوده في حياتي أمراً مسلّماً به! نصيحة من القلب…ثمِنوا من تحبون و أعطوهم ما يستحقون من الحب والوقت و الكلام …لا تجعلوا عجلة الطموحات تقتل أجمل ما لدينا…لا تجعلوا “آثار النجاح الجانبية” تكون على حساب علاقاتكم الإنسانية مع أقرب الناس إليكم…هم من سيبقى….حبهم لكم و حبكم لهم هو ما سيبقى…سيلتف المعجبون والمصفقون حيناً ثم يذهبون لنجم آخر أو لقضية أخرى…لكن من يحبونكم بصدق هم من سيبقون معكم عند الحزن و المرض و النجاح و الفرحة…و لا فرحة بدون من نحب و لا حزن يخف و يهون بدون من نحب!

Advertisements
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s