الوسيم و القبيحة!

كان الحلم و الأمل لكل فتاة! كان يتمتع برجولة و شخصية باهرة تتوجها وسامة معقولة ومظهر ينم عن هيبة و قوة! كانت نساء أسرته يترقبن تخرجه بفارغ الصبر على أمل أن يخطب إحدى بناتهن، بل إن بعضهن كن يبذلن كل جهد حتى يعرضن بناتهن الجميلات عليه في كل مناسبة ممكنة! لكنه عندما تخرج و وجد الوظيفة الحلم صعق الجميع باختياره لفتاة دون المستوى! لم تكن حبيبته دون المستوى من حيث الأخلاق أو اسم العائلة، بل من حيث الشكل! لم تكن جميلة أبدا! بل كانت أقرب للقبح منها للجمال بحسب مقاييس مجتمعنا العظيم! كانت سمراء داكنة ذات جسد غير متناسق وقصير نوعا ما وعلاوة على ذلك لم تكن تملك عينين ساحرتين أو ابتسامة عذبة أو أنف مستقيم متزن! كانت فتاة ذات ملامح “ملخبطة فوق تحت” على حد تعبير والدته! لكنه أصر على الزواج منها، فقد عرفها لمدة تزيد عن العام وعمل معها عن قرب و عرف شخصيتها العذبة وأخلاقها الرائعة و ذكاءها المتقد و وعيها و نضجها وحديثها الحلو وخفة دمها غير المتكلفة و قدرتها على فهمه وعلى جعله يشعر بالارتياح معها.
غضبت منه جميع نساء العائلة و أولهن والدته و أخواته بالطبع، لكنه تزوجها رغما عن جميع آرائهن التي لم تكن تعني له شيئا، فهو الذي سيتزوجها و ليس هن!
بعد زواجه كان يشعر بالتوتر قليلا من كثرة تحذيرات والدته له بأنه سيكتشف حقيقتها بعد الزواج و أن شخصيتها الرائعة ما هي إلا قناع تضعه حتى توقعه في فخها، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل حدث العكس! اكتشف فيها جوانب أخرى لم يكن يعرفها…جوانب أخرى جعلته يعشقها أكثر فأكثر!
كان لديها القدرة على فهمه واحتوائه بطيبتها وحنانها الفطري اللامنتهي و فضلا عن ذلك كله لم تكن امرأة ضعيفة أو متخاذلة أو متكاسلة، فقد كانت امرأة مليئة بالنشاط و الحيوية، تقوم بجميع واجباتها لا كربة بيت فحسب، بل كسيدة صالون واستطاعت أن تجعل بيتهما جنة من الجمال والنظافة و الترتيب. و في أوقات الشدة كانت امرأة قوية يُعتمد عليها…كانت ظهره و سنده بمعنى الكلمة!
ولكن كل ذلك لم يكن ليشفع لها عند بنات جنسها و عند والدة زوجها و شقيقاته! سنوات مرت على زواجهما السعيد و هي لا تزال تسمع والدة زوجها تتنهد حسرة على حظ ابنها العاثر! أنجبت الأبناء و البنات و انكفأت على تربيتهم أحسن تربية بالإضافة لعملها خارج البيت و نجاحها فيه، و لم تزل تسمع العبارة الأشهر عند “الحريم”: حظ القبايح في السما لايح!
وكانت أحيانا تشكو لزوجها بحرقة من تعليقاتهن الجارحة، فكان يحتضنها و هو يبتسم: هذا ثمن السعادة يا حبيبتي! ولا واحدة منهن لها زوج يحبها كما أحبك! دعي عنكِ كلام التعيسات الغيورات، فهن لا يرين إلا المظاهر السطحية و قلوبهن مليئة بالهموم!

وكانت كلماته و مواقفه و تصرفاته دائما مثل البلسم الشافي على قلبها الطيب، فقد كان حبه هو زادها في هذا المجتمع القاسي السخيف! و كان هو منذ أن تزوجها قد اتخذ موقف “الأصم” حيال ما تقوله والدته ونساء أسرته، فهو سعيد مع زوجته ويشعر بالرضا و الاكتفاء معها وهذا هو المهم… و لتقل الجميلات المعقدات عنها ما يشأن، فلو كان الجمال شيئا مهما لكنّ استطعن أن يسعدن أزواجهن و لكنّ استطعن أن يمنعن أزواجهن من الخيانة!

عاشا بهذه القناعة طوال حياتهما مع منغصات بسيطة من فترة لفترة كانا يمران بها كأي زوجين طبيعيين وسعيدين! و توتة توتة فرغت الحدوتة!
*****
يحدث أن يحب الرجل الوسيم امرأة ليست جميلة…امرأة لا تحسدها النساء على قوامها و ملامحها…امرأة لا تلفت الأنظار…لكنها امرأة تملك قلبه و تأسر روحه بحنانها و عذوبتها و طيبتها وصلابتها! و يحدث أن ينسى الرجال في بحثهم عن الحب أن المرأة الحنون الخلوق المسؤولة التي يشتد بها الظهر هي السعادة على هذه الأرض!

و الآن…هل سبق و أن قرأتم في الأدب العربي الحديث عن رجل كهذا؟ هل سبق و أن قرأتم عن بطلة رواية قبيحة و أمير وسيم أحبها؟ شخصيا لا أذكر أني قرأت لعمالقة الأدب شيئا من هذا القبيل، فالرجل دائما يطمح للجميلة مهما كان قبيحا، و لا يقدم تنازلات حتى لو كان قصيرا أصلعا و بكرش! بل حتى الرجل القبيح في الروايات (و في الواقع للأسف) يعطي لنفسه الحق بأن يسخر و يتندر على المرأة القبيحة!
و الغريب في أغلب الروايات هو وجود تلك المرأة “الحلم” التي تقبل بذلك الدميم لمجرد أن شخصيته قوية و دمه خفيف! و سبحان الله تعيش معه سعيدة و تصبر عليه و لا تنظر أبدا لغيره مهما كان وسيما و صاحب كاريزما!
ما غرسه فينا كبار الأدباء و حتى معظم قصص ديزني و الغابة الخضراء دائما و أبدا هو أن الرجل لا يتنازل عن شرط الجمال مهما كان قبيحا، لكن المرأة ممكن أن تتنازل عن وسامة الرجل حتى لو كانت فاتنة! و هي صورة تتكرر في الأدب بكثرة ومبالغة فظيعة و تتكرر في الحياة أيضا…لكنها ليست الصورة الوحيدة في الحياة!

مشكلة الأدباء العرب (الرجال طبعا) أن أغلبهم يجسد أحلامه و يفرضها على قراءه كواقع! و المشكلة الأكبر أنهم يتحدثون نيابة عن المرأة و تجدهم يسهبون فيما ترغبه المرأة ويطلقون تعميمات تصبح بعد زمن “حقائق” لا تقبل الجدال عن المرأة! يهدفون لإقناعنا بأن المرأة الجميلة يمكن أن تقدم تنازلات كثيرة في سبيل شخصية القصير أو كرشه… تقبل كل عيوبهمن أجل ذكائه و شخصيته “اللي محصلتش”! و كأن المرأة ليست بشرا لها عينان تعشقان الجمال! و لو عكسنا الوضع، لوجدنا نفورا و رفضا كبيرا من قِبل هؤلاء الأدباء، فهم يرفضون فكرة أن يتنازل الرجل عن جمال المرأة في سبيل ذكائها مثلا!
و في الواقع، يحدث في الحياة أن تحب امرأة جميلة رجلا قبيحا لأن شخصيته أسرتها أو لأنها شعرت معه بالأمان و الحنان…نعم يحدث كثيرا…و لكن يحدث كثيرا أيضا أن تشمئز المرأة الجميلة من فكرة الارتباط العاطفي الجسدي برجل قبيح مهما كان ذكيا و فيلسوفا وحنونا! ويحدث أن لا تهتم المرأة إلا بمال الرجل و رصيده في البنوك و ما يقدمه لها! و يحدث أيضا أن ترتبط فتاة جميلة برجل دميم لأنه ثري و من عائلة كبيرة و تظل تندب حظها طوال العمر و تظل تشعر بالألم و ربما بالإغواء كلما رأت رجلا و سيما! نعم يحدث هذا و أكثر لكن الأدب “الذكوري” يصف مثل هذه المرأة بأوصاف لا تليق!

و يحدث أيضاً أن تضع المرأة الجميلة لنفسها معايير لم يتحدث عنها أي أديب أو فيلسوف في أي كتاب!
النساء لسن سواء! و تجربة أي كاتب أو فيلسوف مهما كانت ثرية و عميقة، لا تعبر إلا عنه هو فقط و عن رأيه هو في النساء..رأيه هو فقط في النساء اللواتي عرفهن فقط، لا في جميع النساء! ليس كل ما يقوله الأدباء والفلاسفة حقيقة خصوصا فيما يتعلق بالمرأة…و للعلم فإن أغلب الأدباء كانت حياتهم العاطفية تعيسة و كانت علاقتهم بالنساء يشوبها الكثير من الحزن و التعقيد و الحرمان، فإلى متى نجعل أدباء الزمن الغابر يشكلون فكرنا و يفرضون علينا صورا نمطية لا تعبر عن واقعنا المتنوع؟
إلى الآن لم أقرأ لأديب أنصف المرأة و صورها “كإنسانة” طبيعية فيها عيوب و مميزات…فهي إما “إلهة” جمال و فتنة و عذوبة وإما شيطانة ذات إغراء تصعب مقاومته أو امرأة قبيحة شريرة أو مملة؟ (لاحظوا لازم القبيحة تكون شريرة أو مملة!) طيب أين المرأة الطبيعية؟ المرأة التي فيها من الجمال و الطيبة و الملل و الإغواء و الأخلاق و الذكاء و العصبية والضعف وكل الصفات البشرية الأخرى؟
كيف يتقبل الرجل أن تكون المرأة إنسان مثله إذا كان الأدب يحصرها في هذه الصور المتطرفة أحادية الأبعاد؟
ربما أفصّل في الحديث لاحقا عن النماذج النسائية “المشوهة” في روايات العقاد و إحسان عبد القدوس و نجيب محفوظ و غيرهم…نماذج نسائية لا يزال البعض يعتبرها إلى اليوم تحليلا “واقعيا” لشخصية المرأة! و عجبي!

*ملحوظة:

القصة في البداية هي قصة خيالية من تأليفي! “حلمي و خيالي” و أنا حرة فيه! 🙂 

Advertisements