تناغم الحضارات: ليس مجرد حدث ترفيهي!

شابة ذكية شغوفة بالتعلُّم، لديها طموح كبير بأن تبدع وتنتج وتخدم أبناء وطنها الحبيب…لديها طاقات كبيرة وإمكانيات عالية وعشق للعطاء حدوده السماء…ولكن…ظروفها المادية لا تساعدها…ظروفها المادية تقف عائقا في وجه شغفها بالعلم والعمل وفي طريق إكمالها لدراستها ومسيرتها العلمية والمهنية ولا تستطيع أن تلتحق بالتخصص الذي ترغبه والجامعة التي توفر لها هذا التخصص…

هذه ليست قصة من نسج الخيال…هذه قصة واقعية لأحلام وآمال تنهار وتتحطم في مجتمعنا مع نهاية كل عام دراسي، حيث تجد الكثيرات من بناتنا المبدعات أنفسهن في وضع لا يحسدن عليه…

وهذا الوضع نراه بأعيننا ونحن نعيش مع قصص مئات الفتيات اللواتي تنهار أحلامهن أمامهن…وأحلام هؤلاء الفتيات ليست أحلاما عادية ..ليست أحلاما لشراء ملابس وحقائب فاخرة…ليست أحلاما للحصول على المال لصرفه من أجل التباهي على قريناتهن، بل هي أحلام جادة للمساهمة في دفع عجلة البناء والتطور في وطننا الحبيب…هي أحلام للعطاء و ليس للأخذ!

وفي كل عام تفكر إدارة جامعة دار الحكمة في ابتكار وسائل لحث رجال ونساء مجتمعنا القادرين و القادرات على تحقيق تلك الأحلام والتي ستعود عليهم وعلى الجميع بالفائدة والأجر العظيم بإذن الله.

هذا العام، بقيادة مديرة جامعة دار الحكمة، الدكتورة الرائعة سهير حسن القرشي، وبتوجيهات منها للعمل على خلق طرق جديدة ومختلفة لتشجيع الجميع على المساهمة في تحقيق الطموح العلمي لبنات وطننا الغالي،قام قسم تطوير الطالبات ونادي المسرح بتنسيق الحدث الضخم تناغم الحضارات، بهدف خدمة عدد من الجوانب في حياتنا.

الهدف الأساسي من تناغم الحضارات هو جمع ريع الحفل لتوفير منح تعليمية لطالباتنا وهذا في حد ذاته بلا شك هدف نبيل، فهل يوجد أعظم من أن نساهم في تعليم فتاة وبالتالي في إدخال السعادة عليها وعلى أسرتها؟ هذه الفتاة التي ستكمل تعليمها في المجال الذي تريده، لن تأخذ شهادة البكالوريوس فحسب، بل ستنتج وتعطي لأسرتها ولمجتمعها…إنها ليست منحة تعليمية لفتاة واحدة فحسب، بل هي هدية منا لمجتمعنا بأكلمه! وهنا يتحقق مبدأ التكافل الاجتماعي كأفضل ما يكون ويتحقق مفهوم تمكين المرأة، فالتعليم هو القوة الحقيقية التي تحتاجها المرأة ويحتاجها المجتمع بشكل عام.

الجانب الثاني الذي يهدف إليه حفل تناغم الحضارات هو الترفيه الذي يعد جزءا لا يتجزأ من احتياجات الإنسان حيث يحتاج المرء أن يرفه عن نفسه من فترة لأخرى حتى يشحذ همته ويشحن طاقاته للاستمرار في أداء مسؤولياته وعمله على أكمل وجه، فهذا ما يجعل الإنسان متوازنا في حياته وبالتالي يصبح أكثر سعادة وأكثر قدرة على العطاء.

الجانب الثالث الذي يهدف إليه الحفل هو إيصال مفهوم التسامح والتفهم والتقبل بين الحضارات والثقافات والجنسيات المختلفة. وهنا تأتي قصة “التناغم”. في ظل كل الخلافات والحروب والعنصرية القائمة في زمننا، يأتي استعراض تناغم الحضارات ليقدم رسالة سلام وحب وحث على تقبل الاختلاف واحترامه مع الاعتزاز بالقيم والمباديء التي تميز كل حضارة وثقافة.

يُفتتح استعراض تناغم الحضارات بمشهد إيمائي ساخر عنوانه “تصادم الحضارات” حيث يبدأ المشهد بحفلي زفاف من ثقافتين مختلفة تماما…حفل زفاف مصري شعبي و حفل زفاف فرنسي…كل فرح له عاداته وتقاليده، فهل سيتقبل أهل الفرحين عادات وتقاليد بعضهم البعض؟ للأسف لا، فأصحاب كل فرح ينظرون للآخر باحتقار ويعتقدون أنهم الأفضل ويحدث بينهما شجار لسبب تافه جدا ألا و هو مفهوم “نحن الأفضل!”.

بعد هذا يبدأ مشهد الحرب…الحرب التي حدثت لأتفه الأسباب…يتقاتل الفريقان في رقصة حرب تعبيرية…وتنتهي الحرب بخسارة الطرفين، فلا يوجد منتصر في أي حرب…وبعدها يبدأ مشهد الفاننازيا…مشهد العودة للحياة…يعودون للحياة وينظرون إلى ما فعلوه في بعضهم البعض بحزن وألم وندم…كان يمكن أن يكون هناك تفاهم وتقارب بينهم، ويكتشفون الأمور المشتركة بينهم…فهناك الأمهات و هناك الآباء المحبين لأسرهم و أعمالهم…وهناك الفتيات الشغوفات بالعلم…إلخ وبعد هذا الاكتشاف المحزن يقررون أن لا شيء يجعل الحياة أفضل مثل الحب والتسامح ومحاولة فهم الآخر.

ومن هنا يأتي مشهد السلام وهو مشهد استعراضي تعبيري عن جمال وروعة التسامح والسلام في حياتنا ومن ثم تبدأ رحلة دار الحكمة في جولة فولكلورية استعراضية إلى خمس ثقافات من حول العالم وهي إفريقيا، البرازيل، بنجلاديش، الهند، سوريا ومن ثم العودة لأرض الوطن السعودية الحبيبة.

الجميل في هذا الحدث الترفيهي أنه منتج سعودي وليس ترفيها مستوردا، فالحفل ترعاه وتدعمه الهيئة العامة للترفيه دعماَ ماديا كاملا، وتقدمه جامعة دار الحكمة على مسرحها الكبير، وتقوم بإدارته كوادر سعودية مميزة على رأسهن الدكتورة سناء عسكول عميدة شئون الطالبات في الجامعة وقسم تطوير الطالبات المكون من شابات سعوديات قمة في الحماس والحيوية مثل أ. أريج فدا، أ. لينا كردي، أ. حنين أسطه، أ. دُنى المحمدي، أ. سارة جمجوم وأ. دينا هوندجي وأ.ميسون الصويغ وأ. هند السحتوت وبعض هؤلاء الشابات خريجات جامعة دار الحكمة أيضا.

العمل ضخم جدا حيث تشترك فيه أكثر من 150 سيدة وفتاة وبه عدة مجموعات وكل مجموعة فيها من 10 طالبات إلى 30 طالبة من طالبات الجامعة وكل مجموعة لها مدربة محترفة في مجالها. المشهد الكوميدي ومشهد الحرب كان فكرتي وكتابتي بعد جلسة عصف ذهني مذهلة مع الأستاذة سحر بحراوي وعضوات قسم تطوير الطالبات.

مشهد الحرب الاستعراضي من تدريب المدربة السعودية المحترفة والمبدعة نوره البدر، واستعراض السلام الفردي تقدمه مدربة اليوجا الشهيرة يوجيني فاطمة، وبالنسبة للاستعراضات الفلكلورية، فقد قامت بتدريب الطالبات على الاستعراض الإفريقي المدربة الكويتية الشهيرة عواش التي جاءت من الكويت خصيصا من أجل التدريب. أما الاستعراض البرازيلي فهو من تدريب مدربة الزومبا المعروفة هناء الصبان. بالنسبة للاستعراض الهندي فهو تدريب طالبتنا رميساء، و الاستعراض البنجلاديشي من تدريب المدربة المحترفة إيلين بولي.

وتضامنا مع سوريا، كان لابد أن يكون لسوريا الحبيبة في حفلنا مكان فقامت الأستاذة إيمان جبر بتدريب الطالبات على الدبكة السورية.

وأخيرا و ليس بآخر، ينتهي حفلنا بخاتمة كلها حب و ولاء لوطننا الغالي مع استعراض من الفلكلور السعودي من تدريب الأستاذة سامية البشري، رئيسة لجنة المسرح النسائي بجمعية الثقافة والفنون في جدة.

ولا أنسى أن أذكر جهود طالباتنا الرائعات اللواتي فعلن المستحيل ليقمن بالتنسيق بين التدريب الشاق و بين محاضراتهن ومشاريعهن واختباراتهن، فالمشاركة في هذا العمل كانت على حد قول إحدى الطالبات المشاركات “درسا عمليا في حسن إدارة الوقت.” والجدير بالذكر أن كل مجموعة قامت بالتدرب على الاستعراض الخاص بها لمدة تزيد عن 30 ساعة مقسمة على أيام الأسبوع.

أجمل ما في هذا العمل أنه ليس مجرد عملا ترفيهيا، بل هو عمل جمع ما بين فعل الخير والترفيه وتعزيز الثقة بالنفس و روح العمل الجماعي بين الطالبات والموظفات والمدربات، وكذلك أكد هذا العمل على روح التعاون والتنسيق الرائع بين مختلف أقسام جامعة دار الحكمة، فالجميع أثناء العمل كان لديه هدف واحد وهو إنجاح المشروع ليساهم في مِنح الطالبات التعليمية.

تناغم الحضارات هو عمل مسرحي فيه تشكيلة منوعة من الكوميديا الساخرة والفن الاستعراضي الذي يقدم رسالة مفادها أن التسامح وتقبل الحضارات المختلفة واحترامها هو ما يرتقي بالشعوب. 

والأجمل أنه عمل نسائي بحت يضاف إلى قائمة انجازات المرأة السعودية!

 

مها نور إلهي
أستاذة الفنون المسرحية ومشرفة نادي المسرح
جامعة دار الحكمة

 

 

Advertisements