الوسيم و القبيحة!

كان الحلم و الأمل لكل فتاة! كان يتمتع برجولة و شخصية باهرة تتوجها وسامة معقولة ومظهر ينم عن هيبة و قوة! كانت نساء أسرته يترقبن تخرجه بفارغ الصبر على أمل أن يخطب إحدى بناتهن، بل إن بعضهن كن يبذلن كل جهد حتى يعرضن بناتهن الجميلات عليه في كل مناسبة ممكنة! لكنه عندما تخرج و وجد الوظيفة الحلم صعق الجميع باختياره لفتاة دون المستوى! لم تكن حبيبته دون المستوى من حيث الأخلاق أو اسم العائلة، بل من حيث الشكل! لم تكن جميلة أبدا! بل كانت أقرب للقبح منها للجمال بحسب مقاييس مجتمعنا العظيم! كانت سمراء داكنة ذات جسد غير متناسق وقصير نوعا ما وعلاوة على ذلك لم تكن تملك عينين ساحرتين أو ابتسامة عذبة أو أنف مستقيم متزن! كانت فتاة ذات ملامح “ملخبطة فوق تحت” على حد تعبير والدته! لكنه أصر على الزواج منها، فقد عرفها لمدة تزيد عن العام وعمل معها عن قرب و عرف شخصيتها العذبة وأخلاقها الرائعة و ذكاءها المتقد و وعيها و نضجها وحديثها الحلو وخفة دمها غير المتكلفة و قدرتها على فهمه وعلى جعله يشعر بالارتياح معها.
غضبت منه جميع نساء العائلة و أولهن والدته و أخواته بالطبع، لكنه تزوجها رغما عن جميع آرائهن التي لم تكن تعني له شيئا، فهو الذي سيتزوجها و ليس هن!
بعد زواجه كان يشعر بالتوتر قليلا من كثرة تحذيرات والدته له بأنه سيكتشف حقيقتها بعد الزواج و أن شخصيتها الرائعة ما هي إلا قناع تضعه حتى توقعه في فخها، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل حدث العكس! اكتشف فيها جوانب أخرى لم يكن يعرفها…جوانب أخرى جعلته يعشقها أكثر فأكثر!
كان لديها القدرة على فهمه واحتوائه بطيبتها وحنانها الفطري اللامنتهي و فضلا عن ذلك كله لم تكن امرأة ضعيفة أو متخاذلة أو متكاسلة، فقد كانت امرأة مليئة بالنشاط و الحيوية، تقوم بجميع واجباتها لا كربة بيت فحسب، بل كسيدة صالون واستطاعت أن تجعل بيتهما جنة من الجمال والنظافة و الترتيب. و في أوقات الشدة كانت امرأة قوية يُعتمد عليها…كانت ظهره و سنده بمعنى الكلمة!
ولكن كل ذلك لم يكن ليشفع لها عند بنات جنسها و عند والدة زوجها و شقيقاته! سنوات مرت على زواجهما السعيد و هي لا تزال تسمع والدة زوجها تتنهد حسرة على حظ ابنها العاثر! أنجبت الأبناء و البنات و انكفأت على تربيتهم أحسن تربية بالإضافة لعملها خارج البيت و نجاحها فيه، و لم تزل تسمع العبارة الأشهر عند “الحريم”: حظ القبايح في السما لايح!
وكانت أحيانا تشكو لزوجها بحرقة من تعليقاتهن الجارحة، فكان يحتضنها و هو يبتسم: هذا ثمن السعادة يا حبيبتي! ولا واحدة منهن لها زوج يحبها كما أحبك! دعي عنكِ كلام التعيسات الغيورات، فهن لا يرين إلا المظاهر السطحية و قلوبهن مليئة بالهموم!

وكانت كلماته و مواقفه و تصرفاته دائما مثل البلسم الشافي على قلبها الطيب، فقد كان حبه هو زادها في هذا المجتمع القاسي السخيف! و كان هو منذ أن تزوجها قد اتخذ موقف “الأصم” حيال ما تقوله والدته ونساء أسرته، فهو سعيد مع زوجته ويشعر بالرضا و الاكتفاء معها وهذا هو المهم… و لتقل الجميلات المعقدات عنها ما يشأن، فلو كان الجمال شيئا مهما لكنّ استطعن أن يسعدن أزواجهن و لكنّ استطعن أن يمنعن أزواجهن من الخيانة!

عاشا بهذه القناعة طوال حياتهما مع منغصات بسيطة من فترة لفترة كانا يمران بها كأي زوجين طبيعيين وسعيدين! و توتة توتة فرغت الحدوتة!
*****
يحدث أن يحب الرجل الوسيم امرأة ليست جميلة…امرأة لا تحسدها النساء على قوامها و ملامحها…امرأة لا تلفت الأنظار…لكنها امرأة تملك قلبه و تأسر روحه بحنانها و عذوبتها و طيبتها وصلابتها! و يحدث أن ينسى الرجال في بحثهم عن الحب أن المرأة الحنون الخلوق المسؤولة التي يشتد بها الظهر هي السعادة على هذه الأرض!

و الآن…هل سبق و أن قرأتم في الأدب العربي الحديث عن رجل كهذا؟ هل سبق و أن قرأتم عن بطلة رواية قبيحة و أمير وسيم أحبها؟ شخصيا لا أذكر أني قرأت لعمالقة الأدب شيئا من هذا القبيل، فالرجل دائما يطمح للجميلة مهما كان قبيحا، و لا يقدم تنازلات حتى لو كان قصيرا أصلعا و بكرش! بل حتى الرجل القبيح في الروايات (و في الواقع للأسف) يعطي لنفسه الحق بأن يسخر و يتندر على المرأة القبيحة!
و الغريب في أغلب الروايات هو وجود تلك المرأة “الحلم” التي تقبل بذلك الدميم لمجرد أن شخصيته قوية و دمه خفيف! و سبحان الله تعيش معه سعيدة و تصبر عليه و لا تنظر أبدا لغيره مهما كان وسيما و صاحب كاريزما!
ما غرسه فينا كبار الأدباء و حتى معظم قصص ديزني و الغابة الخضراء دائما و أبدا هو أن الرجل لا يتنازل عن شرط الجمال مهما كان قبيحا، لكن المرأة ممكن أن تتنازل عن وسامة الرجل حتى لو كانت فاتنة! و هي صورة تتكرر في الأدب بكثرة ومبالغة فظيعة و تتكرر في الحياة أيضا…لكنها ليست الصورة الوحيدة في الحياة!

مشكلة الأدباء العرب (الرجال طبعا) أن أغلبهم يجسد أحلامه و يفرضها على قراءه كواقع! و المشكلة الأكبر أنهم يتحدثون نيابة عن المرأة و تجدهم يسهبون فيما ترغبه المرأة ويطلقون تعميمات تصبح بعد زمن “حقائق” لا تقبل الجدال عن المرأة! يهدفون لإقناعنا بأن المرأة الجميلة يمكن أن تقدم تنازلات كثيرة في سبيل شخصية القصير أو كرشه… تقبل كل عيوبهمن أجل ذكائه و شخصيته “اللي محصلتش”! و كأن المرأة ليست بشرا لها عينان تعشقان الجمال! و لو عكسنا الوضع، لوجدنا نفورا و رفضا كبيرا من قِبل هؤلاء الأدباء، فهم يرفضون فكرة أن يتنازل الرجل عن جمال المرأة في سبيل ذكائها مثلا!
و في الواقع، يحدث في الحياة أن تحب امرأة جميلة رجلا قبيحا لأن شخصيته أسرتها أو لأنها شعرت معه بالأمان و الحنان…نعم يحدث كثيرا…و لكن يحدث كثيرا أيضا أن تشمئز المرأة الجميلة من فكرة الارتباط العاطفي الجسدي برجل قبيح مهما كان ذكيا و فيلسوفا وحنونا! ويحدث أن لا تهتم المرأة إلا بمال الرجل و رصيده في البنوك و ما يقدمه لها! و يحدث أيضا أن ترتبط فتاة جميلة برجل دميم لأنه ثري و من عائلة كبيرة و تظل تندب حظها طوال العمر و تظل تشعر بالألم و ربما بالإغواء كلما رأت رجلا و سيما! نعم يحدث هذا و أكثر لكن الأدب “الذكوري” يصف مثل هذه المرأة بأوصاف لا تليق!

و يحدث أيضاً أن تضع المرأة الجميلة لنفسها معايير لم يتحدث عنها أي أديب أو فيلسوف في أي كتاب!
النساء لسن سواء! و تجربة أي كاتب أو فيلسوف مهما كانت ثرية و عميقة، لا تعبر إلا عنه هو فقط و عن رأيه هو في النساء..رأيه هو فقط في النساء اللواتي عرفهن فقط، لا في جميع النساء! ليس كل ما يقوله الأدباء والفلاسفة حقيقة خصوصا فيما يتعلق بالمرأة…و للعلم فإن أغلب الأدباء كانت حياتهم العاطفية تعيسة و كانت علاقتهم بالنساء يشوبها الكثير من الحزن و التعقيد و الحرمان، فإلى متى نجعل أدباء الزمن الغابر يشكلون فكرنا و يفرضون علينا صورا نمطية لا تعبر عن واقعنا المتنوع؟
إلى الآن لم أقرأ لأديب أنصف المرأة و صورها “كإنسانة” طبيعية فيها عيوب و مميزات…فهي إما “إلهة” جمال و فتنة و عذوبة وإما شيطانة ذات إغراء تصعب مقاومته أو امرأة قبيحة شريرة أو مملة؟ (لاحظوا لازم القبيحة تكون شريرة أو مملة!) طيب أين المرأة الطبيعية؟ المرأة التي فيها من الجمال و الطيبة و الملل و الإغواء و الأخلاق و الذكاء و العصبية والضعف وكل الصفات البشرية الأخرى؟
كيف يتقبل الرجل أن تكون المرأة إنسان مثله إذا كان الأدب يحصرها في هذه الصور المتطرفة أحادية الأبعاد؟
ربما أفصّل في الحديث لاحقا عن النماذج النسائية “المشوهة” في روايات العقاد و إحسان عبد القدوس و نجيب محفوظ و غيرهم…نماذج نسائية لا يزال البعض يعتبرها إلى اليوم تحليلا “واقعيا” لشخصية المرأة! و عجبي!

*ملحوظة:

القصة في البداية هي قصة خيالية من تأليفي! “حلمي و خيالي” و أنا حرة فيه! :) 

شيء من الواقعية والمرونة يا معالي وزير التعليم!

عندما كنتُ صغيرة (في نهاية السبعينيات)، درستُ بضعة سنوات في ولاية دينفر الأمريكية المعروفة بقسوة بردها وكثافة ثلوجها، لكني رغم ذلك لا أذكر يوما تم فيه تعليق الدراسة من أجل الثلوج الكثيفة التي كانت تغطي الأرض بالأمتار وتعيق أي نوع من الحركة والتنقل!
كان الثلج يهبط طوال الليل ليغطي الأرض تماما، لكننا عندما نصحو الصباح، كنا نجد ممرات المشاة و الطرق و الشوارع و الأرصفة كلها خالية تماما من الثلج و الماء ذلك لأن مسؤولو بلدية مدينة دينفر كانوا يقومون بواجبهم في إزالة الثلج وعوائق الحركة من الرابعة صباحا، و حتى لو لم يتوقف الثلج، كانت جرافات الثلج تستمر في عملها في تمهيد وتنظيف الطرق حتى لا تتوقف حركة السير!
و في المدرسة، كنا في أيام الثلوج و العواصف نأخذ فسحتنا و غداءنا في “البيسمنت” أو البدروم أو الدور تحت الأرض و الذي كان مجهزا بكل وسائل النظافة و التدفئة و الراحة و اللعب، بل وكان فيه مطعم مجهز لأيام الطواريء!
و لم تكن مدينة دينفر تشهد اختناقا مروريا لا في الأوقات العادية و لا في أوقات الثلوج ذلك لأن نظام المرور كان صارما و لأن الشوارع كانت مصممة بذكاء و فن بحيث تفرض على قادة المركبات السير بنظام! و لا أنسى أن أذكر أنه في مدينة دينفر كان يوجد شبكة للقطار، و حافلات آمنة و مريحة خاصة بكل مدرسة و يشرف على كل حافلة مشرفين على الأقل و كانت توجد طرق مشاة خاصة بالطلاب و الطالبات الذين يذهبون إلى مدارسهم على الأقدام و كان هناك شرطي أو شرطية مرور في كل شارع مكلف بالأطفال الذين يذهبون على الأقدام، و إن لم يتوفر شرطي المرور، كانت المدرسة تعين مشرفا في كل شارع قريب من المدرسة حتى يشرف على وصول الطلاب و الطالبات بسلام إلى مدارسهم.
في ظل تلك الظروف الآمنة و المجهزة و في ظل تلك البنية التحتية السليمة، يبدو قرار تعليق الدراسة لمجرد وجود مطر أو ثلج نكتة سمجة لا معنى لها، بل تكاسل و إهمال لا مبرر له!
لكن في مدينة مترامية الأطراف مثل جدة…في مدينة مرورها تعيس تعاسة فوق الوصف و شوارعها قمة في الفوضى (في الظروف العادية) مثل مدينة جدة المسكينة….في مدينة مثل جدة… لا تملك فيها النساء سيارات يقدنها وقتما يشأن بل في أغلب الأحيان لا يملكن سائق خاص ينتظرهن عند الباب…. في مدينة لا توجد فيها وسيلة مواصلات سوى السيارة…و في مدينة يستغرق الذهاب فيها للعمل ساعة ونصف ذهابا و ساعة و نصف إيابا كل يوم…في مدينة لا توفر معظم مدارسها حافلات آمنة لطللابها ….في مدينة مدارسها ذات نوافذ مهترئة و ساحات أغلبها تشبه الحظائر التي لا تتوفر فيها أدنى مقومات السلامة و النظافة…في مدينة كهذه، يبدو قرار الذهاب للمدرسة في يوم عاصف مغبر وسط اختناق و همجية المرور_ يبدو قرار الذهاب للمدرسة_ ضربا من السخف والجنون، لا التفاني ولا الجدية في العمل و طلب العلم! أقدّر _ يا معالي الوزير_ حرصكم على النظام، لكن النظام ليس كتابا سماويا! إن النظام الذي لا يسهل حياتي، بل يعقدها ما هو إلا نظام فاشل! إن النظام الذي قد يعرض حياتي للخطر ما هو إلا إمعان في التمحور حول المادية! النظام لابد منه لكن حين تكون جميع ادواته متوفرة! 
ما حدث اليوم في جدة، يعد وصمة عار على جبين وزارة التعليم وكل مسؤول فيها لم يكن واقعيا و مهتما بما يكفي! لقد كانت الوزارة على علم بحالة الجو و قد نبهت الأرصاد من يومين عن احتمالية حدوث عواصف رملية في جدة و غيرها، لكن الوزارة أصرت أن تبقى صامتة في ظل هذه الظروف، معرضةً صحة أبنائنا و بناتنا للخطر، بل معرضة أرواحنا للخطر بسبب التدافع و الازدحام و الفوضى المرورية التي حدثت بعد قرار التعليق الذي جاء متأخرا جدا!
معالي الوزير…أحترمك جدا و أقدر رؤيتك التربوية و أقدر سعيك لخلق بيئة دراسية جادة بعيدا عن الإهمال والتسيب الذي يحدث في معظم المدارس طوال العام بدون سبب، و لكن…أرجوك انزل إلى أرض الواقع! شيء من الواقعية و المرونة سيعود بالنفع علينا جميعا بدل هذه الفوضى و التذبذب و القرارات البيروقراطية!
أرجوك يا معالي الوزير أن تنظر للصورة كاملة …للمنظومة كاملة….التعليم ليس مدرسة و طالب و معلم، بل مدينة و مرور و بنية تحتية! عندما تصبح جدة مثل دينفر، حينها سنقف كلنا معك و نشد على يدك في الحزم مع كل متكاسل متهاون!

و لك مني أطيب تحية على حسن قراءتك، و كُلي أمل أن يتم العمل على حل هذه الفوضى من قبل جميع المسؤولين في الوزارة. 

و لا أنسى أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير و الاحترام للمدارس التي اهتمت بسلامة أبنائنا و أرسلت بعدم إحضارهم من الصباح الباكر! 

مواجهة مع الموت

نرتكب الكثير من الأخطاء السخيف منها و العظيم … و نقترف السيئات الصغير و الكبير منها…نضيع أحيانا عن جادة الصواب….نخطيء في حق أنفسنا و في حقوق الآخرين…تضيع وجهات نظرنا و رؤانا في ظل التخبط و الأسى من حولنا…نحب أشخاصا لا يستحقون…نركز جهودنا و طاقاتنا على أمور تجلب لنا الألم أكثر من السعادة…نتجاهل بحماقة و جهل الأشخاص الذين يهتمون لأمرنا فعلا…نعطي وقتا أقل لمن يحتاجوننا…نكافح بشتى الطرق لزيادة دخلنا المادي وزيادة أرصدتنا في البنوك لنقتني المزيد من الأشياء…

لكننا وسط ذلك كله لا نشعر بالسعادة غالبا…وأحيانا نعيش في منطقة “اللا شعور”…لا سعادة و لا حزن…لا تقدير لمعنى الحياة و لا ألم…حالة تبلد عامة تصيبنا لكننا نقنع أنفسنا أننا بخير لمجرد أننا لا نتألم!

و فجأة…يحدث ما لا نتوقعه…نستفيق على صفعة أو صدمة …على قضاء و قدر ليس بيدنا تغييره أبدا…نصطدم مع الموت وجها لوجه…يأخذ منا أعز و أغلى من نحب و ندرك أن لا شيء في هذه الحياة له أي قيمة أو معنى بدون من نحب…ندرك أن الحياة التي كنا نحياها لم تكن إلا حياة خالية من الجودة و المعنى و القيمة…مجرد دوامة تعتصرنا بسرعة كل يوم لنعود و نلقي أنفسنا فيها كل يوم بدون إحساس كامل أو وعي حقيقي بما فيها من جمال وحب.

كانت وفاة والدي رحمه الله أول مواجهة لي مع الموت… مع حقيقة من الحقائق النادرة التي يتفق عليها البشر بمختلف معتقداتهم ودياناتهم. آخر مرة رأيت فيها والدي غفر الله له كانت قبل 4 أيام من وفاته…لم يكن مريضا و لا عاجزا..كان كما عرفته دائما…مرحا سعيدا يشع النور و السماحة من وجهه…كان متحمسا وهو يتحدث عن ألوان الستائر التي يريد اختياراها للبيت الجديد الذي اشتراه…وكان يتحدث بفرح عن أدوات المطبخ الجديدة التي اشتراها…لكني لم أبادله حماسة بحماس …كنتُ أتحدث معه و أرد عليه باختصار و بمنتهى البرود و التبلد لأني كنتُ مرهقة جدا يومها، فقد مر عليّ أسبوع حافل و شاق في العمل….أمضينا أربع ساعات سويا لكني لم أنظر إلى وجهه و عينيه جيدا…لم أكن موجودة بقلبي و عقلي…فقط بجسدي…لم تكن فيّ أي حياة في ذلك اليوم الأخير الذي رأيته فيه…و لكنه رحمه الله كان ينظر إليّ يومها بنظرة حب يشوبها الحزن…كنتُ مرهقة جدا ذلك اليوم لأحلل و أفسر تلك النظرة….لم أستوعب معنى تلك النظرة العميقة المطولة إلا بعد وفاته…و كأنها كانت نظرة وداع….عندما أسترجع تفاصيل ذلك اللقاء الأخير، كم أكره نفسي و أؤنبها كثيرا….حتى “مع السلامة” قلتها له على عجل و بدون إحساس…و ربما بإحساس إنسانة غبية تظن أن اللقاء التالي مضمون و قادم لا محالة! كنتُ أعتقد أنه سيعيش ليصل للخامسة و الثمانين مثل والده و والدته رحمهما الله…كنتُ في قرارة نفسي أؤمن أنه طالما لا يشكو من أي مرض و طالما أنه حريص على المحافظة على صحته أنه سيعيش طويلا…كان لدي اطمئنان ساذج في غير محله…كنتُ أعتقد أنه سيعيش طالما أنني أحتاجه و أنه سيعيش حتى يأتي اليوم الذي أخبره بحبي العميق له و بتقديري العظيم له…كنتُ أظن أن أولئك الذين نسمع أنهم ماتوا، قد ماتوا لأنهم لم يهتموا بصحتهم…لأنهم كانوا مرضى…كنتُ أظن أن الموت لن يأتينا إلا “بعد عمر طويل” وكنتُ أظن أن الموت أمر يحدث حولنا…يحدث للآخرين فقط…أما نحن ..فسوف يأتي فيما بعد عندما نكون مستعدون له…ولكن إرادة الله لا تسير وفق توقعاتنا و أمنياتنا!

و اليوم بعد حوالي 10 أشهر من وفاة والدي، أجد أني اختلفتُ كثيرا…لم أصبح كئيبة و حزينة و منغلقة على نفسي كما قد يتوقع الكثيرون، و لكني أصبحتُ أكثر و عياً و إدراكاً لمعنى الحياة! الموت جعلني أدرك أنني أضعتُ جُل وقتي وحياتي بدون أن أقف على تفاصيل الحياة و على جمالها…بدون أن أتوقف كما يجب عند الأشخاص الذين يستحقون وقتي و اهتمامي… كل شيء كنتُ أمر عليه مرور الكرام باستثناء الحزن والفرح….لم أكن أعطِ التفاصيل الجميلة اهتماما كبيرا ربما لأني كنتُ أعتقد أنها من المسلّمات “الدائمة” التي أستطيع الاستمتاع بها وقتما أشاء…إلا أنني عندما كنتُ أغضب، كنتُ أغضب بحدة و انفعال شديد وكأن القيامة قامت…و عندما كنتُ افرح، كنتُ أفرح بغرور وكأني ملكتُ الكون…كنتُ أتضايق وأنفعل أحيانا بسبب أمور تافهة…و أحيانا كنتُ لا أبالي بالنعم التي لديّ و لا أثمنها كما تستحق…

موت والدي رحمه الله جعلني أدرك أن لا قيمة للإنسان في هذه الحياة إلا بأخلاقه و تصرفاته…نعم أعرف أن هذا الكلام مكرر و نسمعه دائما…لكني أقوله بإدراك و وعي جديد…والدي رحمه الله كان يعمل محاضرا في كلية إعداد المعلمين و قد تقاعد قبل حوالي عشر سنوات من وفاته…طوال حياته كان رمزا للتفاني والإخلاص و النشاط في العمل…ظل رئيسا لقسمه بضعة سنوات ثم أصبح رئيسا لقسم النشاط لعدة سنوات….لكن عند موته، لم يقل أحد “كان رئيس قسم ناجح رحمه الله! أو كان يعمل كثيرا رحمه الله!” بل قالوا “كان نِعم الرجل الخلوق رحمه الله…كان دمث الخلق…كان طيباً كريماً متسامحاً…كانت الابتسامة لا تفارق وجهه!”

dad
ياااه! كل تلك السنوات من العمل والعطاء لم يتذكرها أحد لكنهم تذكروا ابتسامته و حسن تعامله معهم! كل تلك السنوات من العمل غرقت في غياهب الذاكرة إلا الابتسامة و الخلق الحسن! كيف يتذكر الغرباء عن والدي كل تلك التفاصيل الجميلة و أنا كنتُ اعتبرها من المسلّمات العادية؟! شهادات الأحياء في الأموات لها دلالات تستحق الوقوف عندها ملياً! عندما يُجمع كل من يعرف شخصا ما بأنه كان طيبا و رمزا للخلق الحسن، فإن ذلك لا يعني شيئا سوى أن نركز على الأشياء التي تبقى و تدوم…ماذا يعني أن تكون كاتبا مشهورا مقابل أن تكون إنسانا مشهورا بالطيبة و الخلق الحسن؟ ماذا يعني أن يقترن اسمك بالفن و الإعلام مقابل أن يقترن اسمك بالإنسانية و الأخلاق والعطاء؟ ماذا يعني أن يذكرك العالم كله لأعمالك العظيمة بينما أبناؤك لا يذكرون سوى أنك كنتَ بعيدا عنهم طوال حياتك؟

مؤلم جدا هذا الشعور…أعرف أن الكثير قد يعترض على كلامي و لكنها رؤية مختلفة للحياة توصلتُ لها بعد وفاة والدي، فلا نجاح يساوي شيئا مثل الحب و الأسرة! و لا يعني هذا أن لا نعمل ولا نسعى لتحقيق طموحاتنا، لكن ما أعنيه هو أن يكون سعينا لتحقيق طموحاتنا المهنية معتدلا عاقلا بدون أن يكون على حساب علاقاتنا الإنسانية التي هي أثمن ما نملك و أثمن ما يمكن أن نخسره لا قدر الله.

بعد وفاة والدي بثلاث أشهر تقريبا، تحقق حلمي و نُشر كتابي الأول….كان حلما عملتُ عليه لسنوات و كنتُ أنتظره لسنوات لكنه تعثر بسبب بعض الظروف…كان والدي رحمه الله ينتظره بفارغ الصبر أيضاً…لكن الموت كان أسرع…و صدر الكتاب لكن فرحتي به لم تكُ شيئا يُذكر…كانت فرحة باردة ناقصة تشوبها غصة لأنه لم يكن موجودا ليشهد تحقيق حلمي…أتذكر كم كان فخورا بي…كان يصر و يلح علي لأنشر قصائدي…كم كان يسألني كل يوم عن التطورات التي حدثت في إجراءات النشر…كم كان فرحا عندما رأى تصميم الغلاف….

لكن كل ذلك تبخر بدون رجعة بعد وفاته…ما الانجاز بدون أن نشاركه من نحب؟ ما قيمة أي نجاح بدون أن يكون هناك من يفرح معنا به؟ فرحة من القلب بدون حسد أو غيرة…و من يمكن أن يفرح تلك الفرحة الصافية معنا مثل الوالدين و الأبناء و الأزواج؟

لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن الكتاب الذي كان يحثني والدي باستمرار على نشره …أن ذلك الكتاب سيحمل إهداء لروحه وقصيدة تنعيه!

كم هي قصيرة تافهة هذه الحياة! كل أفراحنا و أحزاننا فيها تبدو تافهة مقارنة بفقدان شخص غالٍ على قلوبنا…

بعد وفاة والدي و بعد صدور كتابي، حققتُ حلما آخر من آحلامي ألا وهو إخراج مسرحية سيدتي الجميلة و التي استمر العمل عليها حوالي 5 أشهر…كانت حلما آخر قد تحقق…سعيت لتحقيقه بعد وفاة والدي لأثبت لنفسي أني لا أزال على قيد الحياة وبأن حزني العميق ليس عائقا لأحقق أي شيء…لكن فرحتي بتحقيق هذا الحلم الكبير المرهق كانت فرحة عادية ليس لأن النجاح لم يكن يستحق فرحة كبرى، بل لأن أولوياتي اختلفت كثيرا…كانت فرحتي بنجاح ابنتي ريم والذي تحقق بعد نجاح المسرحية، كانت فرحتي بنجاحها بتفوق أكبر بكثير من فرحتي بنجاحي و تحقيق أحد أكبر أحلامي! سبحان الله! كيف يتغير الإنسان! لكنه تغير في الأولويات كما قلت…تغير في مفهومي للفرحة التي تبقى و الفرحة التي تغوص عميقا في القلب فتجعله ينبعث نورا وطاقة إيجابية…

لا أزال أسعى لتحقيق طموحاتٍ أخرى كثيرة و أعمل الآن على كتابي الثاني…لكنها طموحات في يدي و ليست في قلبي…

بعد وفاة والدي أدركتُ بكل ألم أنني طوال حياته رحمه الله لم أقدم له شيئا واحدا خاصا به…لم أسعى لإسعاده…كنتُ مكتفية بدور الابنة المطيعة الناجحة…و كأن طاعتي ونجاحي كان معروفا أقدمه له! لم أسعً يوماً لأقدم له شيئا مميزا يسعده كأب…كانت حياته رحمه الله تدور حول إسعادنا أنا ووالدتي و إخوتي…دللني كثيرا جدا و أسعدني كثيرا …قدّم لي الكثير الكثير الذي لا أحصيه و لم أقدم له سوى “شكرا بابا!” كم كنتُ مقصرة! حتى الوقت… كنتُ “أتمكرم” به عليه متعللة طوال الوقت بانشغالي في العمل أو بإرهاقي بسبب العمل!

فقدتُ إنساناً عظيماً لم أكن أشعر بروعته لأني كنتُ أظن وجوده في حياتي أمراً مسلّماً به! نصيحة من القلب…ثمِنوا من تحبون و أعطوهم ما يستحقون من الحب والوقت و الكلام …لا تجعلوا عجلة الطموحات تقتل أجمل ما لدينا…لا تجعلوا “آثار النجاح الجانبية” تكون على حساب علاقاتكم الإنسانية مع أقرب الناس إليكم…هم من سيبقى….حبهم لكم و حبكم لهم هو ما سيبقى…سيلتف المعجبون والمصفقون حيناً ثم يذهبون لنجم آخر أو لقضية أخرى…لكن من يحبونكم بصدق هم من سيبقون معكم عند الحزن و المرض و النجاح و الفرحة…و لا فرحة بدون من نحب و لا حزن يخف و يهون بدون من نحب!

قانون التحرش لحماية الجميع!

كما تعلمون، فقد كثرت حوادث التحرش في الفترة الأخيرة في مجتمعنا “الإسلامي” …و عند اطلاعي على ردود الأفعال في تويتر وغيره، وجدتُ أن أغلب الآراء مخزية و لا تمت للإسلام بصلة و لا للمجتمع المحافظ الذي ندعي الانتساب إليه. (و على فكرة أنا أرفض مصطلح مجتمع محافظ لأن الأصح هو مجتمع مسلم له مرجعية دينية واضحة).

و بصفتي امرأة و أم، أريد هنا أن أوضح موقفي من حوادث التحرش و قوانين التحرش و أن أوضح رأيي في الفريقين المؤيد و المعارض لسَن القانون.

  • في رأيي لا يوجد أي مبرر في الدنيا يبيح التحرش للذكر الهمجي (و لن أقول الرجل لأن الرجل لديه نخوة ومروءة و من طبيعته حماية النساء، لا التعدي عليهن).
  • من يقول أن المرأة هي المسؤولة عن تصرفات المتحرشين، ينفي صفة العقل و الإرادة والمسؤولية و القوة لدى الرجل الذي يُفترض منه أن يكون “قوّاما” على مصالح المرأة و راعيا لمصالحها و لمصالح أسرته.
  • إن وجود أي امرأة سافرة الوجه لا يعطي لأي ذكر الحق بملاحقتها بالكلام أو باليد إلا إذا كان ذلك برغبتها و موافقتها و بدعوة صريحة منها. كشف الوجه والتبرج ليس دعوة بأي شكل من الأشكال للتحرش!
  • لا أخلي أبدا مسؤولية المرأة في بعض حالات التحرش، فهي إنسانة لها عقلها و عليها أن تعرف كيف تحمي نفسها بأن لا تعرض نفسها لمن كان في قلبه مرض كما وصف القرآن نوعية من الرجال…على المرأة أن تعلم أنه (حتى لو كان هناك قانون تحرش صارم) سيظل هناك أشباه رجال في قلوبهم مرض!
  • من يقول بأن الغرب لا يوجد به تحرش، فهو إما جاهل مسحور بالغرب و إما شخص لم يسافر في حياته و إما رجل لا يعرف معنى أن يكون الإنسان امرأة! و برغم من وجود قوانين عديدة للتحرش في أوروبا و أمريكا إلا أن التحرش لا يزال موجودا و لم يمنع المرضى من ممارستهم له…الفرق بيننا و بينهم هو أن المرأة هناك إن ظُلِمت و تم التحرش بها، فهي تنال حقها و ينال المتحرش عقابه إذا قامت المرأة برفع دعوة عليه. و لكن واقع الحال في الغرب هو أن أغلب النساء اللواتي تعرضن للتحرش و حتى للاغتصاب، لا يتقدمن بالشكوى بسبب الخوف و بسبب عوامل أخرى كثيرة و تجري دائما حملات لتوعية النساء بأهمية التحدث عن ما يتعرضن له من مضايقات و تحرشات.
  • المقارنة المستمرة مع الغرب في قضية التحرش ليست في صالحنا و لن تساعد أبدا في تقدم الموضوع، بل بالعكس ستعرقل وضع القانون أكثر لأن المقارنة لا نصح من البداية للاختلاف الشاسع بين البيئة الغربية و البيئة السعودية.
  • نحتاج أن نعود بصدق للقرآن و للسنة و نقرأهما بتمعن فيما يختص بسلوكيات الرجل و المرأة في حال الاختلاط سواء كان في السوق أو المسجد أو الأماكن العامة الأخرى. يحتاج المختصون في الشريعة و المعترضون على قانون التحرش أن يسألوا أنفسهم الأسئلة التالية مع أني أعرف أنهم يعرفون الإجابة عليها لكن الذكرى تنفع المؤمنين:
  • هل يبيح الإسلام النظر للمرأة الحرة السافرة، فضلا عن إيذءها؟
  • هل نَهَر الرسول صلى الله عليه و سلم الخثعمية عندما نظر إليها الفضل أم نَهَر الفضل رضي الله عنه؟
  • ألم يُشرِع الإسلام آداب الطريق؟ و هل من آداب الطريق إيذاء النساء و التعرض لهن؟
  • أليست هناك آية واضحة وضوح الشمس في القرآن تأمر بغض البصر و آية أخرى تأمر بتجنب الزنى و ما يؤدي إليه؟ هل يطبق شبابنا هذه التعاليم؟
  • هل هناك توازن في الوعظ لدى شيوخنا الأفاضل؟ هل يعظون الرجل بغض بصره و باحترام حرمة الطريق و بعدم انتهاك حرمات المسلين و أعراض المسلمات؟ لماذا يكتفي شيوخنا الأفاضل بوعظ المرأة فقط؟ هل وعظ الرجل يتنافى مع الإسلام؟
  • هل يوجد دليل من القرآن أو السنة يبيح للرجل التحرش بالمرأة السافرة؟
  • هل الإسلام دين نخوة و مروءة أم دين يسمح بغياب المروءة و الشهامة و الرجولة في ظل وجود امرأة متبرجة؟
  • من يستشهد بآية الزنى قائلا بأن المرأة هي المسؤولة لأنها ذُكرَت أولا في الآية، فهو يقوم بمغالطة سخيفة، فالآية تتحدث عن الزنى (أي برضا الطرفين و هو لا يحدث إلا برغبة المرأة) و الآية لا تتحدث عن التحرش أو التبرج أبدا، فالزنى يمكن أن يحدث بدون تبرج تماما. الزنى فيه قبول و رضا من المرأة أما حوادث التحرش و الاغتصاب، فليس فيها أي قبول من المرأة، إذ أن لباس المرأة ليس علامة القبول لأي علاقة أو تحرش.
  • أرى بوجوب سَن قانون للتحرش مستمد من القرآن و السنة لكني لا أتفق مع بعض من يؤيدون قانون التحرش في منطقهم الذي يُخلي المرأة تماما من أي مسؤولية. نحن في مجتمع إسلامي و اتباع تعاليم الإسلام واجبة على الجميع طالما أنهم قبلوا بهذا الدين و اعتنقوه…المسألة ليست اختيار…أختار من الدين ما يعجبني و أرفض ما لا يتوافق مع مزاجي و ضعفي و هوى نفسي (يعني مثلا أرفض الخلوة مع السائق لكن لا ألتزم بالحجاب! الدين كُل لا يتجزأ على مزاجنا) على المرأة المسلمة أن تلتزم بالحجاب (حجاب المظهر و القلب و السلوكيات) و عليها مسؤولية حماية نفسها بعدم الذهاب للأماكن التي قد تكون غير آمنة. حتى في الغرب، توجد أماكن خطرة تتجنبها النساء اللواتي يحرصن على أنفسهن. في بعض ولايات أمريكا مثلا، توجد شوارع لا يُنصح بالذهاب إليها ليلا و ذلك لتفشي المخدرات و الجرائم فيها. ذهابك بمفردك لمكان مليء بحثالة الناس يعرضك للخطر…هذا ليس حكرا على حرية أحد و لكنه واقع و علينا التعامل معه بواقعية وحكمة و بدون تحيز أو انفعال. ليس تبريرا للمتحرشين على أعمالهم و لكن حماية للمرأة قبل كل شيء. الوعي بمسؤوليتك لحماية نفسك و تجنبك للذهاب لبعض الأماكن لن يضرك أبدا.
  • مهم لكل امرأة: بحسب دراسات كثيرة في الغرب: المرأة التي تعرضت للاغتصاب أو للتحرش اللفظي و الجسدي المستمر، غالبا لا تشفى نفسيا من آثار الاغتصاب و التحرش. الأمر خطير جدا و يتعلق بسلامة المرأة الجسدية و النفسية…لا تريد أي امرأة أن تعرض نفسها لحادثة تحرش أو اغتصاب لا شفاء منها لا سمح الله!
  • عندما ننظر لقضية التحرش علينا أن ننظر للطرفين بموضوعية تامة و بدون عواطف و انفعالات، و وضع اللوم على المرأة دائما يجعل من الرجل حيوانا هائجا لا عقل لديه، و كذلك اخلاء المرأة من المسؤولية تماما يجعلنا نؤكد نقصها و عدم أهليتها و هذا ما نرفضه و نحارب من أجله منذ سنوات، فالمرأة ليست ناقصة عقل و ليست إنسان لا يستطيع تحمل مسؤولية أفعاله.
  • للأهل و للتربية دور كبير جدا في تربية و تهذيب أولادهم و بناتهم و توعيتهم بآداب التواجد في الأماكن العامة سواء من حيث المظهر أو السلوكيات. كونك أب أو أم يحملك مسؤولية كبيرة في توجيه و إرشاد أبناءك و بناتك إلى الأماكن التي يذهبون إليها و كيفية تصرفهم و لبسهم في الأماكن العامة. أما أن تجلس مرتاحاً في الاستراحة و تعيشين حياتك في المقاهي مع الصديقات و لا تدري شيئا عن أبناءك و نقول ” الهادي الله” ، فهذا أمر في قمة الاتكالية وانعدام المسؤولية! تذكر أيها الأب: السائق لتوصيل أبنائك و ليس لمراقبتهم و إرشادهم! و تذكري أيتها الأم بأن الخادمة للمساعدة في تنظيف المنزل و لن تحل محلك أبدا في توعية أبناءك المراهقين و تربيتهم!
  • لابد أن يعلم جميع من يعارض قانون التحرش أن القانون المستمد من القرآن و السنة سيكون في مصلحة الجميع: النساء و الرجال و الأطفال و المواطنين و المقيمين. بمعنى أن القانون لن يكون لحماية المرأة فقط، بل لحماية الرجل أيضا من المرأة إن تحرشت به (و هذا حصل و يحصل فالمرأة ليست ملاكا منزها عن الخطأ) و سوف يحمي هذا القانون أيضا الأطفال الذين يتم التحرش بهم من قبل أقاربهم أو من قبل السائقين أو من قبل أي متحرش لا يخاف الله.
  • علينا جميعا ان نستوعب أن التبرج و السفور أمر نسبي، فقد يرى البعض في كشف الوجه بدون مكياج سفورا و قد يرى البعض السفور في كشف الجسد و هذا الاختلاف طبيعي، وحتى في الغرب لا يزال هذا الأمر محل جدل، لكن من المفترض أن نكون نحن أرقى منهم في فهمنا و سلوكياتنا لأن ديننا وضح لنا معنى الحشمة و العفة الحرص عليهما. للأسف يبدو أن كلمة عفة و أدب أصبحت خارج قاموس بعض الشباب و البنات و للأسف بعض البنات اليوم يخرجن للأسواق و كأنهن بنات ليل! هناك فرق كبير بين امرأة تكشف وجهها و تمشي باحترام لقضاء مصالحها و بين امرأة تضع مكياجا و تضحك بصوت عالٍ و تتراقص في مشيتها في السوق و كأنها امرأة رخيصة! ليس ذوقا و لا أناقة ما نراه من مناظر مقززة هذه الأيام. لكل مكان لباسه و مظهره المناسب، و المظهر الذي يليق بحفل زفاف لا يليق بالمطعم و المظهر الذي يليق بغرفة النوم لا يليق قطعا بالسوق! بنات الناس المحترمين يعرفن الفرق بالتأكيد! لا تخرجي بمظهر الرخيصة و تتصرفي بابتذال و وقاحة ثم تشتكين من همجي تجرأ عليكي! و حتى لو لم يتجرأ عليكِ أحد، فإن منظرك الرخيص أبعد ما يكون عن الأناقة و الجمال! و أذكر في هذا النطاق قول سيدة بريطانية قابلتها في لندن من فترة و تحدثنا عن موضوع اللباس فقالت لي ضمن ما قالت و هي تضحك: أستغرب من الفتاة التي تلبس مفتوحا يظهر نصف صدرها و تريد من الرجل أن ينظر إلى عقلها! لابد أن تعرف المرأة طبيعة الرجل!
  • و هنا أنا أيضا أقول لابد أن يعرف الرجل شيئا مهما جدا عن المرأة: المرأة تتزين لنفسها، لا للرجل دائما! ليست كل امرأة تضع الميكاج تريد رجلا! الزينة و التجمل جزء أساسي من طبيعة المرأة (سواء بوجود الرجال أو في عدم وجودهم)! لا تفهم الأمر خطأ و تظنه دعوة لك للنظر و التحرش! و حقيقة لا توجد امرأة تود دعوة أي رجل ليتحرش بها و لا توجد امرأة سليمة العقل و الروح تستمتع بالتحرش بها! و على الرجل أن يفهم أيضا أنه إذا تبرجت المرأة و خرجت سافرة، فهي عاصية لكنها ليست فاسقة أو عاهرة و ليس من حقه الاعتداء عليها، فهي لم تتبرج من أجل كل من هب و دب…صدقني عزيزي الهمجي…لا تتزين المرأة لأشباه الرجال! و لنفرض أن امرأة أخطأت و لم تتحجب، فهل تخطيء أنت أيضا؟ أين رجولتك و قوة إرادتك؟ إن الخطأ لا يقابل بالخطأ! إن خطأ المرأة في لباسها و سلوكياتها لا يجعل همجية الرجل و تحرشه بها أمرا صحيحا جائزا!
  • و أود أن أقول للجميع من المؤيدين و المعترضين في قضية التحرش: أليس هدفنا واحدا؟ ألسنا جميعا نطمح لمجتمع راقٍ يحترم فيه الجنسين بعضهما البعض؟ ألسنا جميعا ضد السلوكيات الهمجية من الشباب و ضد السلوكيات المبتذلة من البنات؟ قانون التحرش ليس دعوة لحماية السافرات و ليس دعوة للاختلاط، بل هو دعوة لمعالجة مرض اجتماعي نعاني منه في واقعنا و إن هذا القانون ما هو إلا لردع أي همجي أو همجية لم يردعهم دينهم عن إيذاء الآخرين! قانون التحرش هو ببساطة قانون ضد حثالة القوم ليقفوا عند حدهم و لا يزعجوا الناس المحترمين و هم يمارسون حياتهم الطبيعية من حيث الترفيه و التسوق و غيره. إن الجدال و السباب الذي يحصل في تويتر و التغريدات السطحية و الوقحة التي تصدر من البعض من (الفريقين) لن تحل مشكلة التحرش أبدا و سيبقى الوضع على ما هو عليه! كفاكم استعراضا لأفكاركم الوقحة التي تجلب لكم المزيد من المتابعين!
  • نقطة أخيرة أود إضافتها و هي المساواة التامة في الحكم على المتحرشين. في حال ثبوت تهمة التحرش على أي طرف و ذلك بالشهود و الأدلة الكافية، لابد من اتخاذ العقاب المناسب سواء كان الخطأ على الرجل أم المرأة. القانون العادل لا يفرق بين امرأة أو رجل. أؤمن جدا أن قانون التحرش سيكون تهذيب و تأديب لكل الحثالة (من الرجال والنساء) اللذين أصبحنا نراهم في في كل مكان للأسف…أؤمن أن هذا القانون سيربي كل من لم يربيهم أهاليهم و كل من لم تمنعه أخلاقه و يمنعه الوازع الديني عن القيام بأمور لا يرضاها إنسان متحضر و محترم!

 

 

إلى فتاة مميزة


عزيزتي المميزة …لقد أنعم الله عليكِ بمميزات كثيرة قلما تجتمع في فتاة واحدة، فها أنتِ ذا تتمتعين بجمال الوجه والقوام وبابتسامة يفيض منها الإشراق والبراءة وفوق هذا قد حباكِ الله بنعمة العقل والذكاء المتقد وأسلوب الحديث اللبق الجذاب وبالنجاح الملفت في دراستك/عملك …وحباكِ أيضا بنعمة الأسرة المحبة التي تدعمكِ في كل خطواتك. كل هذه النعم ما هي إلا اختبار لكِ وما هي إلا أحجار من جمر في قلوب بعض ممن يحيطون بكِ، فكوني حذرة لأن مثلك تكوّن الأعداء أينما حلّت فمجرد وجودك يثير حفيظة البعض…لذلك ستتألمين كثيرا جداً …ستسمعين كلاما ساما من بعض من حولك …سيحاولن و يحاولون تحطيمك و التقليل من شأنك. سيلتفون حول التافهات السوقيات ويصفقون لهن ويثنون عليهن! لن يمنحوكِ التقدير والثناء الذي تستحقين لأنكِ تشكلين تهديدا لهم ولهن! لن يستطيعوا منافستكِ في الحيوية والنشاط الذي تملكينه، لذلك سيطعنون في أنوثتك وجمالك وحضورك الذي لا يملكون نصفه! وأحيانا لن يستطيعوا هدم إنجازاتك التي حققتها بجهدك وإصرارك، لذلك سيلجئون لتحطيم شخصيتك من الداخل وقد تجدينهم أحيانا يقارنوك بأبشع وأحقر النساء وسيمدحون أولئك النسوة ويفضلونهم عليكِ!

لأن قدراتهم محدودة ولأن الله لم ينعم عليهم بنعمة البركة وتنظيم الوقت، فإنهم لا يمكن أن يستوعبوا أبدا ذلك الشغف الذي يحرككِ وتلك الطاقة التي تمتلِكينها لتعملي وتنتجي ولتكوني أما أو زوجة أو ابنة ناجحة ومحبة…لا يمكنهم أن يتقبلوا أن امرأة واحدة بإمكانها أن تفعل كل ذلك …بإمكانها أن تكون أنثى جميلة وموظفة أو طالبة مميزة وأم أو ابنة معطاءة ثرية تجود بكل شيء على من حولها بدون أن ينقصها شيء!

لأنكِ مميزة….
سوف يجرحونكِ كثيرا جداً بتشكيكهم في قدراتك …بمحاولتهم تحطيم ثقتك في نفسك أو في زوجك أو في أسرتك…وأحيانا بمحاولاتهم المسمومة لهدم زواجك أو لزعزعة مكانتكِ في العمل …ولكن تأكدي أنهم لا يفعلون ذلك إلا لأنهم فشلوا في أن يكونوا مثلكِ!

لأنكِ مميزة مظهرا و فكرا و روحا و شخصيةَ، فلن يعترفوا بكِ أبدا…لن يعترفوا بجمالك و لا بذكاءك…و سوف تكون كل الأخريات أفضل و أجمل منكِ حسب كلامهن….

ولتعلمي أنهم لا يفعلون ذلك إلا لأنهم ضعفاء من الداخل …يحاولون التقليل من شأنكِ لأنكِ تملكين ما لا يستطيعون شراءه بالمال والتباهي به…وجودك كما أنتِ يستفزهم، فلا تكترثي لهم لأنهم مرضى بالحسد ولا يمكنكِ معالجتهم ولا إصلاحهم.

أنتِ لستِ فقط جميلة المظهر و الروح، أنتِ قوية و مقاوِمة…تتمتعين بذلك المظهر الرقيق الذي يجعلهم يظنون أنهم يستطيعون تحطيمكِ لكنكِ واثقة و قوية من الداخل…و طالما أنكِ تؤدين واجباتكِ نحو خالقكِ و نحو نفسك و أسرتكِ و مجتمعك، فلا تكترثي لهم…و احذري من أن تنحدري لمستواهم…تعاملي معهم بالصمت الوقور و دعي أعمالكِ و سلوكياتكِ تتحدث عنكِ…و الأفضل أن تبتعدي عنهم (حتى لو ذهنيا وعاطفيا) قدر المستطاع وحلقي بعيدا…ركزي على نفسك وحياتك وانجازاتكِ ودعيهم يتخبطون في حقدهم وفي حياة لم يعرفوا كيف يديرونها ويستمتعون بها!

10 مشاكل كارثية تعاني منها مدينة جدة!

قبل البدء أود التنويه بأن ما سأكتبه ليس عن دراسة ولا إحصائيات ولكنها مجرد ملاحظات يدركها كل من يعيش في مدينة جدة (العروس سابقا) وهي مشاهدات مؤلمة نراها كل يوم والمتسبب فيها عدة أطراف منها أمانة جدة ومرور جدة وسكان جدة. أتمنى من الجميع المشاركة في رصد المشاكل واقتراح الحلول فأهل جدة لا ينقصهم العلم ولا الأفكار الخلاقة و لا الخبراء، ويبقى التنفيذ والمتابعة على عاتق المسؤولين.

  • مخلفات البناء: يكاد لا يخلو شارع في جدة من مخلفات البناء في الأحياء الصغيرة و الكبيرة على حد سواء. ويزيد الأمر سوءا أن مخلفات البناء هذه تتراكم بعد مدة بشكل يوحي للمشاهد أنها مكب نفايات، بل لا يمكن التفرقة بينها وبين أي حاوية قمامة (حرة طليقة) أمام بيوتنا! منظر غير حضاري بالمرة هذا بالإضافة إلى أنه مقرف وغير صحي على الإطلاق! يا ترى ألا ترى البلدية هذه المشكلة؟ هل تحرص على حلها؟ هل تتابعها و تعاقب مرتكبيها؟

  • مواقف السيارات الفوضوية العشوائية: نظرة سريعة إلى شارع فلسطين أو شارع حراء أو شارع المكرونة و ستعرفون حجم المشكلة والمعاناة! معظم المحلات و الدكاكين لا توفر مواقف للسيارات وهذه غلطة فادحة في التخطيط، إذ كيف يعطى أي محل تصريح بدون وجود مواقف للسيارات؟ من الطبيعي أن نجد إذن الناس يوقفون سياراتهم في الشارع أو عند مداخل تلك المحلات و هذا طبعا يسبب زحام واختناق و فوضى لا نهاية لها عند الوقوف أو بالنسبة للسيارات التي تسير أمام تلك المحلات. والمصيبة أن تلك المواقف العشوائية الغير حضارية ليست فقط للمحلات الصغيرة بل حتى أمام البنوك…مثال مواقف البنك الأهلى في حي النعيم…كارثة حضارية يجب أن يخجل منها المسؤولون! والأمثلة لا حصر لها!

  • اليوتيرنات والدوارات المميتة! هذه طبعا لا يوجد أحد في جدة إلا وقد ذاق مرارتها إما بحادث كبير يتسبب بإزهاق الأرواح أو إحداث كسور أو بحادث بسيط يتسبب بخدش أو صدم للسيارة قد يكلف حوالي 10000 ريال….حاجات بسيطة و تكاليف متوقعة عادية لأي ساكن في جدة! عاااادي! نحن أغنياء و في دولة غنية! مشكلة تلك اليوتيرنات ليست فقط في مكانها الخطأ و الغير مدروس، بل في عدم وجود أي إشارة تنظم السير أو أي عسكري مرور إلا نادرا، و طبعا لم يفكر المسؤولون في توظيف كاميرا ساهر (ظاهرة) عند كل دوار أو يوتيرن لرصد المخالفات! و في اليوتيرن و عند الدوار البقاء للأقوى و للأكثر همجية! من خطط لشوارع جدة يتمتع بحرفية عالية ما شاء الله! شكرا فبسببك نحن نعيش في عالم همجي بدائي!

  • التقاطعات العائمة أو التقاطعات الغبية! هناك شوارع في جدة لا تعرف من أين تأتيك السيارات فيها! و لا أدري هل المشكلة من كثرة الفتحات على كل شارع و من و إلى كل شارع أم من غياب قانون مروري صارم يمنع تجاوزات السائقين أم من المؤسسات و الشركات التي تطلق سائقيها في الشوارع بدون أدنى تدريب أو معرفة لقوانين المرور! من شدة الفوضى لا أعرف أين المشكلة! ويحضرني مثالين و أكيد الأمثلة كثيرة جدا: تقاطع عند قرية شاكر و تقاطع خلف مجمع العرب….هناك أشعر أني في مدينة في قمة التخلف حيث الغلبة لمن لا يهمه أن تحك سيارته أو تصدم و حيث الغلبة (أيضا) للأكثر همجية في ظل غياب القانون و عساكر المرور و إشارات المرور أحيانا!

  • إطلاق سائقي الشاحنات و سائقي الشركات و المؤسسات و السائقين عموما بدون رخص قيادة و كذلك قيادة الأولاد دون سن الثامنة عشر! و هذه كلها تسببت و لا تزال تتسبب في خسائر لا حصر لها في الأرواح وفي الأموال و في الوقت و الجهد! ولا أدري ما هي وظيفة دلة بالضبط! هل كل من يدخل اختبار دلة يحق له النجاح و الحصول على رخصة قيادة بمنتهى البساطة؟ هل تحرص الشركات على التأكد من اتقان سائقيها القيادة و من فهمهم لإشارات المرور و قواعد السلامة؟ هل دلة (لا سمح الله) متفقة مع نظام ساهر؟ يعني هل دلة تقوم بتخريج سائقين عديمي الكفاءة ليقوموا بالمخالفات فيستفيد ساهر؟ إن بعض الظن إثم! و هناك مشكلة أيضا تتعلق بتدريب السائقين و إن كانت صغيرة إلا أنها كارثة…سائقو الدراجات النارية…لا يوجد قانون يلزمهم بلبس الخوذة و غيرها من معدات السلامة! إلى هذه الدرجة حياتنا رخيصة! نترك شبابنا يسيرون في الشوارع بلا قانون يردعهم و يحميهم؟

  • عدم وجود خط سير مخصص لسيارات الإسعاف! هذه لا تحتاج لشرح فالكل يراها و قد أصبحت أمرا عاديا….لكنها تدل على أننا نعيش في مدينة متخلفة جدا لا تهتم بنظام الشوارع و لا بحياة البشر! و للأسف نحن تعودنا على هذا التخلف!

  • عدم وجود حدائق كافية و لا نظيفة أبدا! نعم..أعلم أن أمانة جدة بدأت تهتم بهذا الموضوع مؤخرا لكن جهودها لا تزال ضئيلة جدا وعدد الحدائق التي افتتحت مؤخرا لا تزال قليلة جدا في مدينة كبيرة مثل جدة! بالإضافة إلى ذلك فإن عدم وجود متابعة لصيانة ونظافة تلك الحدائق يجعل وجودها مثل عدمه ويضيع كل الأموال التي أنفقت عليها! وأكيد عدم وجود كاميرات مراقبة قد يجعلها غير آمنة وعدم وجود قوانين صارمة لمعاقبة المخربين و من يلقون بمخلفاتهم فيها لن يجعل تلك الحدائق تزدهر ويستمر جمالها!

  • الأحياء القذرة! هناك أحياء في جنوب جدة مثلا عندما تذهب إليها تشعر وكأنك في وكر موبوء و ملوث بشتى أنواع الجريمة! ممتلئة بالعفن و القذارة و ممتلئة بالعمالة الآسيوية أو الإفريقية غير القانونية التي اتخذت تلك الأحياء مقرا لها و لأعمالها المشبوهة من تجارة مخدرات ودعارة وجرائم أخرى لا حصر لها! هناك عصابات قذرة تعيش بيننا في العروس التي كنا نزهو و نفاخر بها في الثمانينيات! أين وزارة العمل عن هؤلاء؟ أين هيئة مكافحة العمالة السائبة عن هؤلاء؟ هل يعقل أن تلك الجهات لم تستطع حل هذه المشكلة التي تفتك بجدة و أهلها أم أن لبعض الكبار مصالح “مشتركة” تجعل وجود أولئك المجرمين ضرورة حتمية؟

  • السيارة! طبعا السيارة ليست مشكلة لكن أن تكون السيارة هي وسيلة المواصلات (الوحيدة) الآمنة في مدينة ضخمة مثل جدة فهذه كارثة مادية ومرورية بلا شك! و هي مشكلة ليست جديدة و لا هي وليدة اليوم بل هي مشكلة بدأت من سوء تخطيط مدينة جدة، فحتى أفقر دول العالم لديها قطارات و مترو و باصات لها محطات ولها أوقات منتظمة! المسألة ليست مسألة مادة بل مسألة عدم اهتمام بوقت و مال المواطن! ما دمتَ في جدة، فمن الطبيعي أن يهدر وقتك بالساعات في اختناق الشوارع و زحامها! و ما دمتَ في جدة، فليس هناك شيء اسمه “وقت الذروة” rush hour لأن كل الأوقات هي أوقات ذروة في جدة! إلى متى ونحن نعيش في هذا التخلف؟

  • عدم وجود قانون للسرعة أو كاميرات لرصد المخالفات في الأزقة و الأحياء السكنية! لا أدري أي إنسان ذلك الذي يسرع سرعة جنونية في زقاق صغير فيه أُسَر وأطفال! لا أظن الحل يكمن في التوعية وحدها، بل لابد من حل رادع وعقوبات قاسية لمن يسرع في الأحياء السكنية، فكم تسببت هذه السرعة من قتل الأطفال الأبرياء الذين اتخذو الشارع ملعبا لهم لعدم وجود حدائق تفي حاجتهم للعب! أتمنى أن تكون هناك كاميرات لرصد مخالفات السرعة في كل شارع و زقاق! و أتمنى أن تكون هذه الكاميرات ظاهرة للجميع لأن الهدف هنا الردع و ليس الترصد و الاستقعاد، فلا تفيد الغرامة أحدا بعد وقوع الحوادث لا سمح الله!

إن مدينة جدة تعاني بشدة و على جميع الأصعدة…لم تعد مدينة صالحة للاستخدام الآدمي (باستثناء بعض الشوارع المخصصة لطبقة معينة)! جدة أصبحت مدينة قبيحة جدا بعد أن كانت عروساً جميلة و اللوم الأكبر يقع على المسؤولين و إن كان السكان لهم دور في تشويه مدينة جدة إلا أن تشويه بعض ساكني جدة لها يمكن أن يتوقف إذا كانت هناك متابعة جادة من المسؤولين وعقوبات صارمة تشمل الجميع بدون استثناءات و واسطات! إن أكثر الأشخاص همجية يصبح إنسانا منضبطا بوجود القانون، و الدليل هو أن نفس المواطن الذي يترك مخلفاته على شاطيء جدة، يصبح قمة في النظافة عندما يسافر لأوروبا و أمريكا لأن هناك قانون يطبق على الجميع و يربي الجميع!

لقد هرمنا و نحن نعيش في هذه المدينة الحزينة

أكمل القراءة

العقوق الصامت!

يؤلمني جدا منظر أم تجاوزت الستين وهي تعكف على خدمة ابنتها العشرينية موفورة الصحة و العافية!

يؤلمني جدا أن أرى أباً تجاوز الستين يحمل ما يحمل من آلام المفاصل و الظهر يخدم ابنه الشاب الثلاثيني الذي لا يفتأ يزمجر و يطالب بحقوقه وبتوفير ما يريحه عندما يدخل إلى منزله!

و يصدمني وضع ابنة شابة تقول إن قضيتها الكبرى هي حقوق المرأة و رفع الظلم عن النساء الضعيفات المقهورات بينما تجعل هذه الشابة والدتها تخدمها في كل صغيرة و كبيرة تتعلق بها و بأولادها…طبعا تلك الناشطة النسائية ليس لديها وقت لتربية أولادها وخدمتهم لأن لديها قضية أكبر ألا وهي طموحاتها وقضاياها العظيمة! و طالما أن هناك “خادمة” مجانية لها و لأولادها…خادمة يمكنها ان تثق فيها ثقة عمياء، فلمَ تجهد نفسها و تهتم ببيتها و أطفالها؟

للأسف…كل ما ذكرته في الأعلى ما هو إلا مشاهدات من الواقع….شابات و شباب في منتهى الأنانية…لديهم طاقة للعمل …للصراخ…للدفاع عن الآخرين…للمطالبة بحقوقهم…لكن ليس لديهم أي طاقة لأداء أبسط واجباتهم الأسرية نحو بيوتهم أو أبنائهم …و بكل أنانية و وقاحة يستغلون حب الأم أو الأب الغريزي لخدمتهم بالرغم ما قد يعانيه الآباء و الأمهات من تعب و وهن ومرض بحكم كبر السن!

لا أدري كيف يفكر هؤلاء و بماذا يشعرون و هم يستغلون آباءهم وأمهاتهم بهذا الشكل المؤلم!

إن العقوق ليس صراخا أو شتما أو رفع صوت على الأم أو الأب، بل له صور أخرى صامتة قد تكون أكثر إيلاما من صور العقوق الصريحة!

لقد نشأتُ و تربيت على يد أمي الدكتورة حنان عبد الجبار حفظها الله _و قد كانت قبل التقاعد امرأة عاملة ذات منصب و مسؤولية_ و لا أذكر أبدا أن جدتي رحمها الله أتت إلى بيتنا لتخدم أمي! لا أذكر أن “ستي” رحمة الله عليها أرسلت لنا وجبة غداء لأن أمي كانت في عملها! لقد كنتُ أنا و إخوتي وأبي نعود من المدرسة والعمل ونجد ماما في حُلة نظيفة ومرتبة وقد أعدت لنا طعام الغداء تعلو وجهها الابتسامة و تسود روحها المرح…و بعد الغداء كانت تلعب معنا و تذاكر لنا و تناقشنا و تحاورنا…و لم أذكر أنها أهملتنا أو جعلت جدتي تخدمنا لمجرد أنها “دكتورة” و رئيسة قسم و مشغولة! و أنا اليوم أدرك الجهد الهائل الذي كانت تقوم به في شبابها و أدرك أن الكثير من الأمهات كنَّ مثلها…ذاك جيل من الأمهات العاملات و غير العاملات اللواتي أفنين شبابهن و صحتهن في سبيل أزواجهن و أسرهن بالإضافة إلى مسؤولياتهن و انجازاتهن خارج البيت…لذلك فإن من أبسط حقوقهن اليوم أن يرين ثمرة جهودهن التي قمن بها لسنوات طويلة…حان الوقت لأن يرتحن…حان الوقت لكي يلمسن ثمرة تضحياتهن…و أبسط بل و أقل ما يمكن أن نقدمه لهن هو الاحترام و الخدمة، لا جعلهن خادمات لنا أو لأبناءنا!

إن كل حقوق المرأة التي ننادي بها تتضاءل، بل لا يعد لها قيمة إذا لم نعرف كيف نحترم أمهاتنا و نقدرهن حق التقدير! إن المرأة التي تنادي بأن الطبخ ليس من واجبات المرأة، عليها أن تتذكر أن والدتها التي تطبخ لها و لأبناءها هي أيضا امرأة…و لا أظن أن مفهوم حقوق المرأة يشمل الشابات فقط و لا يشمل الأمهات!

من البر بأمهاتنا أن لا نستغل عاطفتهن و غريزة الأمومة لديهن في خدمتنا!

من البر بأمهاتنا أن لا نخبرهن بكل صغيرة وكبيرة تكدر خواطرنا…لأن تلك الصغائر ما هي إلا هموم تتراكم في قلوب الأمهات المحبات مسببة لهن من القلق و الألم النفسي و الجسدي ما لا يمكن أن يتصوره الشباب و الشابات!

إن نفس الأم و كذلك الأب عند كبرهم تصبح نفساً رقيقة في غاية الحساسية، تجرحها كلمة و تؤلمها لفتة…و أشد ما يؤلمها هو رؤية أحد الأبناء في مشاكل و تعب…هناك مشاكل يمكننا حلها بأنفسنا…هناك ثرثرة و شكوى فارغة نستطيع أن نبقيها لأنفسنا أو لأصدقاءنا …بِراً بأمهاتنا وآباءنا!

لنسعدهما كما أسعدونا ونحن صغار!

لنريحهما كما خدمونا وتحملونا في طفولتنا المزعجة ومراهقتنا الثائرة!

لنضغط على أنفسنا قليلا من أجلهما كما ضغطوا على أنفسهم كثيرا و حرموا أنفسهم من متع عديدة لكي لا تربينا خادمة أو لكي لا نبقى وحدنا في البيت!

لنساعدهما على استيعاب جمال التضحيات التي قدموها من أجلنا!

لنكن ناضجين في تعاملنا مع مشاكلنا…ناضجين و مسؤولين في السعي وراء طموحاتنا!

أعمالنا و أبناؤنا مسؤوليتنا و ليسوا مسؤولية أمهاتنا وآباءنا! لقد تعبوا بما يكفي في شبابهم و أدوا كامل واجباتهم ومسؤولياتهم…و آن لهم أن يستريحوا و يعيشوا في هدوء واسترخاء!

الأم الستينية اليوم في مرحلة تُخدَم فيها و لا تَخدِم! إن الأب الستيني أو السبعيني اليوم في مرحلة قطف الثمار، لا زرع البذور وسقايتها!

ولابد أن نتذكر دائما أن آيات البر بالوالدين جاءت عامة ثم مخصصة للوالدين عند كبر سنهما لما يحدث لهما من ضعف و تغيرات نفسية و جسدية لا يمكن أن يستوعبها الشباب غالبا، لذلك جاء التذكير “إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً”

*******

أحبك يا أمي…يا أعظم أم عرفتها!

أحبك يا أبي …يا أرقى رجل عرفته!

رزقني الله و إياكم بر والدينا لأننا بدون برهما لا نساوي شيئا وكل انجازاتنا ما هي إلا هباء منثورا!